النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1
    عضو متميّز

    رقم العضوية: 24982
    تاريخ التسجيل : 20 - 02 - 2008
    الدولة: جدة
    المشاركات: 587
    الجنس : فتاة
    العمل : ==
    الهوايه : القراءة
    التقييم: 4394
    تم شكره 273 مرة في 111 مشاركة
    SMS:

    أحداثُ مِصْرَ .. رُؤيةٌ شرعِيَّةٌ على منهج النبي صلى الله عليه وسلم لمن أراد الحق‏


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ]

    الحمدُ للهِ وحدَهُ، والصَّلاةُ والسّلامُ على مَنْ لا نَبِيَّ بعدَهُ .. أمّـا بعــدُ
    فإنَّهُ على قَدرِ ما شَدَّني ما وَقَعَ مِنْ أحداثٍ في مِصرَ، ومِنْ قبلِها في تُونُسَ، وفي غيرِهما، إلّا أنَّ رُدُودَ الأفعالِ في السَّاحَةِ العربِيَّةِ الإسلامِيَّةِ، والتَّعلِيقاتِ هنا وهناك، أثارتني أكثرَ مِنْ ذاتِ الحَدَثِ!؛ مِنْ حيثُ كَثرَةُ ما فِيها مِنْ تهوُّرٍ، وأحكامٍ مُتسَرِّعَةٍ!، بعضُها يَستَنِدُ إلى مُجرَّدِ العاطِفَةِ، والآخَرُ يَعتَمِدُ رأيَهُ وهواهُ، وآخرُونَ يُبرِّرُونَ الوَسِيلَةَ بالغَايَةِ، وكَثِيرُونَ الّذين هم يَنعِقُون مع كُلِّ ناعِقٍ.
    وجِماعُ ما أُرِيدُ قولَهُ: أنَّنِي افتَقدتُّ ـ وبِشِدَّةٍ! ـ تلك التَّأصِيلاتِ المَبنِيَّةِ على العِلمِ الشَّرعِيِّ.
    أمَّا هؤلاءِ الّذين يُقدِّرُونَ الأُمُورَ بأُصُولِ وضوابِطِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فقليلٌ ما هم، وأعني بهمُ العُلماءَ الرَّاسِخِينَ ـ وللهِ الحمدُ ـ لا تَخلُو الأُمَّةُ منهم، لكنَّ الإشكالَ! أينَ الأُمَّةُ منهم !؟؟.
    فوَجدتُّني لا أتمالَكُ نفسِي لأكتُبُ نصائِحَ لِإخوَتي في اللهِ، أراها ضرُورِيَّةً لنا جميعاً، ورُغم التَّرَدُّدِ الّذي يَعتَرِيني، بِسَبَبِ خَشيَةِ المُنتَقِدِينَ بغيرِ عِلمٍ، لأنِّي أعلَمُ يَقِيناً أنَّ ما سأذكُرُهُ يَجهَلُهُ كثيرٌ مِنَ عامَّةِ المُسلِمينَ، ويَستَغرِبُونَهُ لِدَرَجَةِ نُكرانِهِ، مع أنَّهُ مُستَقًى مِنْ نُصُوصِ شَرِيعَتِنا الصَّرِيحَةِ الصَّحِيحَةِ، وكلامِ الصَّحابَةِ، وأَئِمَّةِ الأُمَّةِ، لكنِّي سُرعانَ ما دَفعتُ تلكَ المَخاوفَ جانِباً، لـمّا ذَكَّرتُ نفسِيَ بأنَّ هذا ثَغرٌ، يَحتاجُ لِـمُجاهِدِينَ، كيفَ لا؟ وقد غطَّتْ أصواتُ النَّاطِقينَ بغيرِ عِلمٍ أرجاءَ الفضائياتِ والمواقِعِ "الألكترُونيةِ"، فلا يَكادُ النَّاسُ يَسمعُونَ غيرَها!!.
    فاستعنتُ باللهِ ـ نِعمَ المُعِينُ ـ لِأَدلُوَ بِدَلوي، وسألتُهُ عزَّ وجلَّ أنْ يُصوِّبَ ما فيه، وأنْ يَجعَلَهُ خالِصاً لِوَجهِهِ، وأنْ يَنفَعَ به.
    وأبيِّنُ في مُستَهَلِّ كلِمَتِي ـ وقبلَ الحدِيثِ عنْ هذه الأحداثِ ـ
    أنْ أُعرِّجَ على المُسبِّبِ لهذه الأحداثِ:
    فإنَّ (الظُّلمَ) معلُومُ الحُرمَةِ، ولِشناعَتِهِ، وعاقِبَتِهِ الوَخِيمَةِ، حرَّمَهُ اللهُ تعالى على نَفسِهِ وعلى خَلقِهِ، ففي صَحِيحِ مُسلِمٍ أنَّ النَّبيَّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ ـ قال: «قال اللهُ تعالى: (يا عِبَادِي إنِّي حَرَّمتُ الظُّلْمَ على نَفسِي، وَجَعَلْتُهُ بَينَكُمْ مُـحَرَّماً، فلا تَظَالَـمُوا).». وقال المُصطَفى ـ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ ـ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَموتُ ـ يَوْمَ يَمُوتُ ـ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلا حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّةَ». (مُتَّفقٌ عليه).
    ومهما أمهَلَ اللهُ الظَّالِـمَ، فلا تَظُنَّنَ أنْ يُهمِلَهُ ـ حاشاهُ جلَّ في عُلاه ـ، قال النَّبيُّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ ـ: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلي لِلظَّالمِ، حتَّى إذا أَخَذَهُ لم يُفْلِتْهُ». ثُمَّ قَرَأَ: }وكَذَلِكَ أَخْذُ ربِّكَ إذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِي ظالِـمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَليمٌ شَديدٌ{. (متَّفقٌ عليه).
    ولَكَمْ هَلَكتْ دُولٌ، وزالَت أُمَمٌ، بِظُلمٍ اقْتَرَفُوهُ!، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ (في مجموع الفتاوى، 28/146): "ولهذا قِيلَ: إنَّ اللهَ يُقِيمُ الدَّولَةَ العادِلَةَ وإنْ كانتْ كافِرَةً، ولا يُقِيمُ الظَّالِـمَةَ وإنْ كانتْ مُسلِمَةً. ويُقالُ: الدُّنيا تَدُومُ مع العَدلِ والكُفرِ، ولا تَدُومُ مع الظُّلمِ والإسلام".
    وفي المقابِلِ .. ومع جميعِ ما تقدَّمَ !!
    فإنَّ الشَّرِيعَةَ أمَرتنا بالصَّبرِ على ظُلمِ الحُكّامِ والأُمراءِ، وهذا ما قد يَخفى على كثيرٍ مِنَ النَّاسِ، بل وعلى كثيرِ مِنَ الدُّعاةِ، بل ويَستَنكِرُونَهُ، لِـفَهمِهم ـ بعاطِفَتِهم ورأيِهم ـ أنَّ هذا مِنْ بابِ الدِّفاعِ عنْ ظُلمِ الحُكّامِ، وهذا فَهمٌ قاصِرٌ، بعيدٌ عن نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ ومَقاصِدِها، أو قد يَظُنُّونَ أنَّ دافِعَهُ الجُبنُ والخَوَرُ ـ معاذَ الله ـ، ومِنْ هؤلاءِ ـ وأولئِكَ، ألتَمِسُ الإنصاتَ بألبابِهم، والقراءَةَ بِبَصِيرَتِهم، بتجَرُّدٍ وبغيرِ تَعَجُّلٍ.
    نعم! ـ أخي الحبيبُ في اللهِ ـ فالنُّصُوصُ الشَّرعِيَّةُ إنَّما تُراعِي اجتِنابَ مَفسَدَةٍ أعظَمَ، قد تطالُ الأمْنَ والاستِقرارَ، وتَستَبِيحَ الأموالَ والأعراضَ، بل والدِّماءَ، بل تنالُ مِنْ جماعَةِ المُسلِمينَ.
    فنحنُ مُطالَبُونَ (بِالصَّبرِ) على ظُلمِهِم حتَّى وإنِ انتهَى الأمرُ بِموتِهم، أو موتِ المظلُومِ وهو على خَيرٍ؛ لأنّهُ صابِرٌ مُحتَسبٌ مُلتَزِمٌ حُدُودَ الشَّرِيعَةِ، روى الإمامُ الخلّالُ (في كتاب السُّنَّةِ، ح98) بإسنادٍ صَحِيحٍ عن أبي الحارِثِ الصَّائِغِ، أنَّه سألَ إمامَ أهلِ السُّنَّةِ أبا عبدِ اللهِ أحمدَ بنَ حنبلَ في أمرٍ كان حَدَثَ بِبَغدادَ، وَهَمَّ قومٌ بِالخُرُوجِ، فقال أبو الحارِثِ: يا أبا عبدِ الله! ما تَقُولُ في الخُرُوجِ مع هؤلاءِ القَومِ؟.
    فأنكَرَ ذلك عليهم، وجَعَلَ يَقُولُ: "سُبحانَ اللهِ! الدِّماءُ الدِّماءُ!، لا أرى ذلك، ولا آمُرُ به، الصَّبرُ على ما نَحنُ فيه خَيرٌ مِنَ الفِتنَةِ؛ يُسفَكُ فيها الدِّماءُ، ويُستَباحُ فيها الأموالُ، ويُنتَهَكُ فيها المَحارِمُ، أما عَلِمتَ ما كان النّاسُ فيه؟". ـ يَعنِي أيّامَ الفِتنَةِ ـ .
    قال أبو الحارِثِ: والنّاسُ اليومَ، أليسَ هم في فِتنَةٍ يا أبا عبدِ اللهِ؟.
    قال: "وإنْ كان!، فإنّما هي فِتنَةٌ خاصَّةٌ، فإذا وَقَعَ السَّيفُ، عَمَّتِ الفِتنَةُ، وانقَطَعَتِ السُّبُلُ، الصَّبرُ على هذا ويَسلَمُ لك دِينُكَ خيرٌ لك".
    وأخرَجَ الخلّالُ عَقِبَهُ (ح90) بإسنادٍ صَحِيحٍ أيضاً، عنْ حَنبَلَ ـ حَفيدِ الإمامِ أحمدَ ـ أنَّه قال: في وِلايَةِ الواثِقِ اجتَمَعَ فُقهاءُ بَغدادَ إلى أبي عبدِ اللهِ ... فقالوا: يا أبا عبدِ اللهِ! هذا الأمرُ قد تَفاقَمَ وفَشا ـ يَعنُونَ إظهارَ الواثِقِ لِلقولِ بِخَلقِ القُرآنِ، وغيرَ ذلك ـ.
    فقال لهم أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ حنبلَ: "فما تُرِيدُونَ"؟.
    قالوا: أنْ نُشاوِرَك في أنّا لسنا نَرضَى بإمرَتِهِ، ولا سُلطانِهِ.
    فناظَرَهم أبو عبدِ الله ساعَةً، وقال لهم:
    "عليكم بالنُّكرَةِ بِقُلُوبِكم، ولا تَخلَعُوا يداً مِنْ طاعَةٍ، ولا تَشُقُّوا عصا المُسلِمِينَ، ولا تَسفِكُوا دِماءَكم ودِماءَ المُسلِمينَ معكم، انظُرُوا في عاقِبَةِ أمرِكم، واصبِرُوا، حتَّى يَستَرِيحَ بَرٌّ، أو يُستَرَاحَ مِنْ فاجِرٍ".
    نعم! لقد تظافَرتِ النَّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ على وُجُوبِ طاعَةِ مَنْ كانتْ له علينا وِلايةً، وعلى عِظَمِ أجْرِ الصَّبرِ على ظُلمِهم وجُورِهم، ومِنْ ذلك:
    ما في الصَّحِيحَينِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ قال: «سَتَكُونُ أَثَرَةٌ [أي: حُكَّامٌ يُؤثِرُونَ أنفُسَهُم عَليكُم] وأُمُورٌ تُنكِرُونَها[أي: حُكّامٌ عِندَهم مُنكَراتٌ ومعاصِيٍ شَرعِيَّةٌ]».قالوا: يا رَسُولَ اللهِ! فما تأمُرُنا؟. قال: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الّذِي عَلَيكُمْ، وتَسأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُم». وفي الصَّحِيحَينِ أنَّه ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ قال: «سَتَلقَونَ بَعدِي أَثَرَةً، فاصبِرُوا حَتّى تَلْقَونِي على الحَوضِ».
    وقال الإمامُ النَّوَوِيُّ (في شرح مُسلِمٍ، 12/232): وفِيهِ الحَثُّ على السَّمعِ والطَّاعَةِ، وإنْ كان المُتَوَلِّي ظَالِـماً عَسُوفاً، فَيُعطَى حَقَّهُ مِنَ الطَّاعَةِ، ولا يُخرَجُ عليه، ولا يُخْلَعُ، بلْ يُتَضَرَّعُ إلى اللهِ تعالى في كَشفِ أذاهُ، ودَفْعِ شَرِّهِ، وإصلاحِهِ".
    وفي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِنْ حديثِ حذيفةَ ـ رضي الله عنه ـ الّذي سأل فيه رسولَ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ عنِ الخيرِ والشَّرِّ، وفيه أنّه قال: فَهَلْ وَراءَ ذَلِكَ الخَيرِ شَرٌّ؟ قالَـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ: «نَعَمْ» قال: كَيفَ؟ قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ)) قَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ يا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ».
    وفي الحدِيثِ المُتَّفَقِ عليه قال ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا، فَمَاتَ عَلَيْهِ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».
    إلى غيرِ ذلك مِنَ النُّصُوصِ حتّى بلغَ الأمرُ أنْ عَدَّ العلماءُ ذلكَ مِنَ الأُصولِ، فقال شيخُ الإسلامِ (في مجموع الفتاوى، 28/128): "ولهذا أَمَرَ النَّبِيُّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ بِالصَّبرِ على جَوْرِ الأَئِمَّةِ؛ ونَهَى عنْ قِتَالِهِم ما أَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَقالَ: «أَدُّوا إلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ وَسَلُوا اللهَ حُقُوقَكُمْ»... ولهذا كانَ مِنْ أُصُولِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ: لُزُومُ الجَمَاعَةِ، وَتَرْكُ قِتَالِ الأَئِمَّةِ، وتَركُ القِتَالِ فِي الفِتنَةِ".
    ولا شَكَّ أنَّ الأمرَ بالطَّاعَةَ مُقيَّدٌ بـ(المَعرُوفِ)، فلا طاعَةَ في مَعصِيَةٍ، فقد قال النبيُّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». (متّفقٌ عليه).
    وهذا مَشهورٌ، لكنَّه قد يَخفى على كثيرٍ مِنَ النَّاسِ أنَّ عدَمَ الطَّاعَةِ في المعصِيَةِ ليس معناهُ تركُ الطَّاعَةِ مُطلقاً، كما قد يتبادَرْ لِلوَهلَةِ الأولى مِنْ قولِهِ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ: «فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». بل إنَّ الطّاعَةَ فيما سوى المعصِيَةِ يَبقى على أصلِهِ ـ فتنَبّه! ـ يُبيِّنُ ذلك جَلِيّاً ما رواه الإمامُ مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ عنِ النَّبيِّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ ـ أنَّه قال: «أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ».وبه يُفهمُ أنَّ المُرادَ هو: ترْكُ طاعتِهِ فيما أَمَرَ مِنْ معصيةٍ، وأما ما سواها مِـمّا يأمُرُ فيَبقى على أصلِهِ، وهو لُزُومُ طاعَتِهِ، وهو ظاهِرٌ مِنْ قولِهِ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ: «وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ». ومِن حديثِ حذيفةَ المُتقدِّمِ، وغيرِهِ كثيرٍ.


    كما ويَجِبُ على أهلِ العِلمِ وذَوي الهيئاتِ أنْ يُبادِرُوا لِـ(نُصحِ الحُكّامِ) ما استطاعُوا لذلك سَبيلاً، وقد صَحَّ عنِ النّبيِّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ أنّه قال: «أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». (رواه أبو داود، والتِّرمذيُّ). وصَحَّ فيهما أيضاً أنَّه ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ قال: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأخُذُوا عَلَى يَدَيهِ أَوشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقابٍ».
    وهذه الأحادِيثُ أيضاً يَفهَمُها كثيرٌ مِنَ النّاسِ بشكلٍ خاطِئٍ، فيأخُذُونَ بالتَّحرِيضِ على السُّلطانِ، وتأليبِ الرَّعِيَّةِ عليه، بل والوُثُوبِ عليه، ظانِّينَ أنَّهم يَقُومُونَ بِأَعظَمِ الجِهادِ!!، بل ولَطالَما استُخدِمتْ المنابِرُ لهذا !!، ولو تأمَّلُوا قولَهُ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ : «عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». لفَقُهوا المُرادَ، فليستِ النَّصِيحَةُ تَشهِيراً ولا عَلانِيَةً، وإلّا فماذا نَنتَظِرُ منها إلّا رُدُودَ أفعالٍ غيرَ موزُونَةٍ وذي عواقِبَ وَخِيمَةٍ.
    إنَّما (النَّصِيحَةُ بالإسرارِ)، واسمع للحدَيثِ الصَّحِيحِ الّذي يَقُولُ فيه النَّبيُّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ ـ: «مَنْ أرادَ أنْ يَنصَحَ لِذي سُلطانٍ فَلا يُبْدِهِ عَلانية، ولكنْ لِيأخُذْ بيدِهِ، ثمَّ لِيَخْلُ به، فإنْ قَبِلَ مِنهُ فذَاكَ، وإلّا أدَّى الّذي عليه». (رواه أحمد، وابنُ أبي عاصم).
    وما تَقدَّمَ لا يَتنافى مع (إنكارِ المُنكرِ) إنْ ظَهَرَ في المُجتَمعاتِ، وأقرَّهُ الحاكِمُ، أو أَمَرَ به، بل مِنَ الواجِبِ على العُلماءِ والدُّعاةِ النَّهيُّ عنْ أيِّ مُنكرٍ يَرونَهُ، وبالأُسلُوبِ الحكيمِ الحَسَنِ، قال الإمامُ ابنُ عُثيمينَ: "إنّ بعضَ النَّاسِ لِغَيرَتِهِ على دينِ اللهِ عزّ وجلّ، إذا رأى هذه المُنكراتِ، وأنَّ هذه المُنكراتِ المتفشِيَةَ في النّاسِ مِـمّا يُوجَدُ في الصُّحُفِ أو يُسمَعُ في بعضِ الإذاعاتِ، أو يُشاهدُ عن طَرِيقِ الدّشوش مثلاً،.. ويَرَى أنَّ الحكومةَ مُقصِّرةً في هذا الشيءِ، ثمَّ يَذهبُ يُشيعُ مَساوئَ الحكومةِ بين النَّاسِ، ويُوغِرُ الصُّدورَ عليها، والحقيقةُ أنَّ هذه جادّةٌ خاطئةٌ جدّاً، ومُخالِفةٌ لِلشَّرعِ، وخطيرةٌ على المُجتمعِ، وسببٌ لِلفِتَنِ، ولو أنَّه سَعَى في إصلاحِ المجتمعِ نفسِهِ، لكان خيراً له، فمثلاً ما يُبثُّ في الإعلام... يُحذِّرُ الناسَ منه؛ يقول:... احذروا مِن كذا، ومِن كذا، احذروا مِنَ الرِّبا مثلاً، والمجتمعُ إذا صَلُحَ، فإنّ ولاةَ الأمرِ جزءٌ مِنَ المُجتَمَعِ، لا بدَّ أنْ يَصْلُحُوا، إمّا اختياراً وإمّا اضْطراراً".
    كما وأذَكِّرُ مَنْ يَستَعجِلُونَ النَّتائِجَ، ويَظُنُّونَ أنَّ مُشكَلَتَنا اليومَ مَحصُورَةٌ في الحُكّامِ، بأنَّ: (الـمَرَضَ يَزُولُ بِزَوالِ العَرَضِ)، نعم! فإنَّ ظُلمَ السُّلطانِ ما هو إلا عَرَضٌ ـ حالُه كحالِ تسلُّطِ الأعداءِ على الأمَّةِ، وتَفشِّي العداوةِ والبغضاءِ بين المسلمينَ ـ كلُّها أعراضٌ ظَهَرتْ عن مرضٍ في النّاسِ، ألا وهو بعدُهُم عنِ الكتابِ والسُّنّةِ، ونقضُهُم لِعهدِ اللهِ وعهْدِ رسولِهِ، وكثرةُ الغشِّ، وأكل المالِ بالباطلِ بينهم، وتأمَّلْ قولَ النَّبيِّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ ـ: «..خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا المِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ المَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ إِلَّا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ».(صحيحٌ، رواه ابن ماجه، والحاكمُ)، حديثٌ عظيمٌ مُعجِزٌ، الشَّاهِدُ منه: أنَّ العلاجَ الحقيقيَّ إنَّما هو علاجُ المَرَضِ الّذي دبَّ في النَّاسِ اليومَ مِنْ تركِهم للكِتابِ والسُّنّةِ؛ فبزوالِ المرضِ تزولُ الأعراضُ.
    هذا هو المنهَجُ الّذي تلقَّيناهُ مِنَ الوَحيينِ، وَوَجَدْناهُ في كلامِ كِبارِ الأئِمَّةِ والعُلماءِ الرّاسِخينَ، أمّا ما نراهُ اليوم هنا وهناك مِنْ غوغائِيّةٍ وتِلقائِيّةٍ فليستْ مِنَ الشَّرِيعَةِ بشيءٍ، ومَفسَدَتُها أعظَمُ مِنْ مَفسَدَةِ ما عليه الحُكّامُ مِنْ ظُلمٍ أو فسادٍ.
    وتأمَّل حينَ أتى رَهطٌ إلى الإمامِ الحَسَنِ البصرِيِّ، أيّامِ يَزِيدِ بنِ المُهلَّبِ، (كما رواه الآجُرِّيُّ في الشريعة 1/73)، أمَرَهم أنْ يَلزَمُوا بُيوتَهم، ويُغلِقُوا عليهم أبوابَهم، ثُمَّ قال: "واللهِ! لو أنَّ النّاسَ إذا ابتُلُوا مِنْ قِبَلِ سُلطانِهم صَبَرُوا ما لَبِثُوا أنْ يَرفَعَ اللهُ ذلك عنهم، وذلك أنّهم يَفزَعُونَ إلى السَّيفِ، فَيُوكَلُوا إليه، وَوَاللهِ! ما جاءُوا بِيومٍ خيرٍ قَطُّ". ثُمَّ تَلا: }وَتَـمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ{".
    وقال شيخُ الإسلامِ (في منهاج السنة النبوية، 3/231): "ولهذا كان المشهُورُ مِن مذهَبِ أهلِ السَّنّةِ أنّهم لا يَرَونَ الخُرُوجَ على الأئِمَّةِ، وقِتالِهم بِالسَّيفِ، وإنْ كان فيهم ظُلمٌ، كما دَلَّتْ على ذلك الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُستَفِيضَةُ عنِ النَّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسَلّم؛ لأنَّ الفَسادَ في القِتالِ والفِتنَةِ أعظَمُ مِنَ الفسادِ الحاصِلِ بِظُلمِهم بِدونِ قِتالٍ ولا فِتنَةٍ، فلا يُدفَعُ أعَظَمُ الفسادَينِ بالتِزامِ أدناهُما، ولَعلَّهُ لا يَكَادُ يُعرَفُ طائِفَةٌ خَرَجتْ على ذِي سُلطانٍ إلّا وكان في خُرُوجِها مِنَ الفَسادِ ما هو أعظَمُ مِنَ الفَسادِ الّذي أزالَتْهُ".
    وهكذا كلامُ كِبارِ أهل العلمِ الرّاسخين فيه، والعارفينَ بالواقع معرفةً دقيقةً تُراعي مآلَ الأمورِ، لا مجرّدَ نظرةٍ قاصِرَةٍ على بعضِ المصالحِ الآنيَّةِ.
    نعم ـ أخي في الله! ـ إنّها مقاصِدُ شريعَتِنا، كيف لا؟ وهي مُستَقاةٌ مِنْ كلامِ الخالِقِ الأعلَمِ بالأصلَحِ لنا، }أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْـخَبِيرُ{.
    والعَجَبُ! ـ كُلُّ العَجَبِ ـ مِنْ أقوامٍ يَتَكلَّمُونَ باسمِ الدِّينِ، وكثيراً ما يُدَندِنُونَ بأنَّ الإسلامَ منهَجُ حياتِهم، ثُمَّ يُلْفِتُوا لِهذه النُّصُوصِ ظُهُورَهم، أو يَحمِلُونِها على غيرِ وَجهِها، بتأوِيلاتِ غيرِ سائِغَةٍ!!، وبعضُهم ـ ولِلأسَفِ ـ يَضطَّرُّونَ أنفُسَهم لِذلك مُراعاةً لِـمصلَحَةٍ حِزبِيَّةٍ أو حَرَكِيَّةٍ، أو ما سواهُ، والبعضُ الآخَرَ يَفعَلُهُ تَمشِّياً مع هواهُ وعواطِفِهِ!!، هدانا اللهُ وإيّاكم وعُمومَ المُسلِمينَ لِـما يُـحِبُّهُ ويَرضاهُ.
    أمَّا أبرَزُ ما تَميَّزَتْ به هذه الأحداثُ، فهو: قَتْلُ ـ أو مُحاوَلَةُ قَتلِ ـ البعضِ لِنفسِهِ حَرقاً، وهو مِـمّا لا بُدَّ مِنَ بيانِ حُكمِهِ، فقتلُ النُّفسِ حرامٌ، بل ومِنْ أعظمِ الكبائِرِ.
    فقتلُ النَّفسِ في هذا الموطِنِ مُنافٍ ـ بِالكُلِّ ـ لِـما أمَرَنا شرعُنا به مِنَ الصَّبرِ كما تقدَّمَ، وقد نَهى اللهُ عنه في كُلِّ حالٍ، حيثُ قال تعالى: }وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً{.
    وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ ـ على صاحِبِها أفضلُ الصّلاةِ والسَّلامِ ـ أنَّ المُنتَحِرَ يُعاقَبُ بِمِثلِ ما قَتَلَ نفسَهُ بهِ، ففي الحدِيثِ المُتَّفَقِ عليه أنَّ النَّبيَّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ قال: «مَنْ قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ في الدُّنيا عُذِّبَ به يَومَ القِيامَةِ». ويُفصِّلُهُ حَدِيثٌ آخَرَ مُتَّفقٌ عليه أيضاً، أنَّ النَّبيَّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ قال: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فهُوَ في نَارِ جَهنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهَا، خَالِداً مُـخَلَّداً فيها أبداً، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهنَّمَ، خالِداً مَـخَلَّداً فيها أبداً، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بها في بَطنِهِ في نَارِ جَهنَّمَ خَالِداً مُـخَلَّداً فيها أبداً».
    وقد تَرَكَ النَّبِيُّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ ـ الصَّلاةَ على مَنْ قَتَلَ نَفسَهُ، زجراً لِغَيرِهِ، وعُقوبةً له، وأذِنَ لِلنّاسِ أن يُصَلُّوا عليه، فيُسَنُّ لأهلِ العِلمِ وذوي الهيئاتِ تركُ الصَّلاةِ عليه تأسِّياً بالنَّبيِّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ حيثُ رَوى الإمامُ مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ عن جابِرِ بنِ سَمُرَةَ ـ رضِيَ اللهُ عنه ـ قال: "أُتِيَ النَّبِيُّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ ـ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفسَهَ بِمَشَاقِصَ [أي سِهامٌ عِراضٌ]، فلم يُصَلِّ عليه".
    فيا عَجباً! وقد شاهَدنا مَنْ يُحاكِي هذا في بعضِ الدُّولِ الأُخرى!!.
    أمّا حينَما نتكلَّمُ عن مسألَةِ (المُظاهَراتِ) فأقولُ:
    تَعرِفُ أخي الحبيبُ عنِ المُظاهَرَاتِ بين الاتِّباعِ والابتِدِاعِ؟
    فقد يَظُنُّ الكثيرُ أنّها وَسِيلَةٌ مِنْ وِسائِلِ الأمرِ بالمعرُوفِ والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ، أو أنّها مِنَ المصالِحِ المُرسَلَةِ، وأنا هنا أسألُ: لو كانتْ المُظاهراتُ وَسِيلَةً دعَوِيَّةً، فلِمَ لَـمَ يَفعلْها المُتقدِّمُونَ، مع أنَّ مُقتضاها موجُودٌ، وهم قادِرُونَ على ذلك، أهو زُهدٌ منهم في الأجرِ؟ أم تقصِيرٌ في النَّهيِ عنِ المُنكَرِ، أو هو جُبنٌ منهم؟.
    كلا ـ واللهِ ـ إنّهم ما تركوا ذلك إلا رغبةً عنه إلى ما شَرَعَهُ اللهُ ورسُولُهُ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ مِنَ الوسائِلِ الشَّرعِيَّةِ للأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكرِ .
    وقد أسلفتُ قبلَ قلِيلٍ ما صَحَّ في شَرِيعَتِنا في الصَّبرِ على ظُلمِ وجُورِ الحُكّامِ، وفي كيفيَّةِ نُصحِهم، وضوابِطِهِ، وفي هذا كِفايَةٌ لِبيانُ أنَّ المُظاهَراتِ تُخالِفُ المنهَجَ الّذي ارتَضاهُ لنا اللهُ تعالى ورسُولُهُ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ .
    هذا فضلاً عن أنَّ المُظاهَراتِ:
    ـ مُستورَدَةٌ مِنَ الغَربِ وفِكرِهم!!.
    ـ و سببٌ في قِيامِ الشَّغَبِ والفوضَى، ومَنحِ فُرَصٍ لِلمُخرِّبِينَ والمُفسِدِينَ!!.
    ـ وبابٌ لِأنواعٍ كثيرَةٍ مِنَ الفِتَنِ، الّتي قد تَصِلُ بعضُها لِسفكِ الدِّماءِ!!.
    وسدُّ الذَّرائِعِ بابٌ عَظِيمٌ في شريعَتِنا.
    وأنقلُ بعضَ فتاوى كِبارِ أهلِ العلمِ في المُظاهَراتِ:
    1 ـ فتوى الإمامِ عبدِ العزيزِ بنِ بازٍ رحمه الله:
    السؤال:
    هل تُعتَبَرُ المُظاهَراتُ الرِّجالِيَّةُ والنِّسائِيَّةُ ضِدَّ الحُكَّامِ والوُلاةِ، تُعتَبَرُ وَسِيلَةً مِنْ وسائِلِ الدَّعوَةِ؟ وهل مَن يَمُوتُ فيها يُعتَبَرُ شهيداً في سَبيلِ اللهِ؟.
    الجواب:
    (لا أرى المظاهراتِ النِّسائِيَّةَ الرِّجالِيَّةَ مِنَ العِلاجِ، ولكنَّها .. مِنْ أسبابِ الفِتَنِ ... ومِنْ أسبابِ ظُلمِ النّاسِ، والتَّعدِّي على بعضِ النّاسِ بغيرِ حقٍّ.
    ولكنْ! الأسبابُ الشرعِيَّةُ: المُكاتَبَةُ، والنَّصيحَةُ، والدَّعوَةُ إلى الخيرِ، بالطُّرُقِ السَّلِيمَةِ، الّتي سَلَكَها أهلُ العِلمِ، وسَلَكَها أصحابُ النَّبيِّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ ـ وأتباعُهُم بإحسانٍ، بالمُكاتَبَةِ والمُشافهَةِ مع الأمِيرِ، ومع السُّلطانِ، ... دُونَ التَّشهِيرِ بالمنابِرِ، بأنّه فَعلَ كذا، وصارَ منه كذا). ا. هـ.
    2 ـ قال الإمامُ المُحدِّثُ الألبانِيُّ رحِمَهُ اللهُ تعالى:
    (أنا أقولُ شيئاً آخَرَ بالإضافَةِ إلى أنَّ التَّظاهُرَ ظاهِرَةٌ فيها تَقلِيدٌ لِلكُفَّارِ في أسالِيبِ استِنكارِهم لِبعضِ القوانِينِ الّتي تُفرَضُ عليهم مِنْ حُكّامِهم، أو إظهارٌ منهم لِرِضا بعضِ تلك الأحكامِ أو القراراتِ،أضيفُ إلى ذلك شيئاً آخَرَ ألَا وهو: هذه التَّظاهُراتُ الأُروبِيةُ ثُمَّ التَّقلِيديَّةُ مِنَ المُسلِمينَ، ليستْ وَسِيلَةً شَرعِيَّةً لإصلاحِ الحُكمِ، وبالتَّالي إصلاحَ المُجتَمَعِ، ومِن هنا يُخطِئُ كُلُّ الجماعاتِ وكلُّ الأحزابِ الإسلامِيَّةِ الَّذينَ لا يَسلُكُونَ مَسلَكَ النَّبيِّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلم ـ في تَغييرِ المُجتَمَعِ، لا يَكُونُ تَغييرُ المُجتَمَعِ في النِّظامِ الإسلامِيِّ بالهِتافاتِ، وبِالصَّيحاتِ، وبالتَّظاهُراتِ، وإنّما يَكُونُ ذلك على الصَّبرِ على بَثِّ العِلمِ بينَ المُسلمِينَ، وتَربِيَتِهم على هذا الإسلامِ، حتّى تُؤتِي هذه التَّربيَّةُ أُكُلَها، ولو بعدَ زَمَنٍ بعيدٍ، فالوسائِلُ التَّربوِيَّةُ في الشَّرِيعَةِ الإسلامِيَّةِ تَختَلِفُ كُلَّ الاختِلافِ عنِ الوسائِلِ التَّربوِيَّةِ في الدُّوَلِ الكافِرَةِ، لهذا أقول باختصارٍ عنِ التَّظاهُراتِ الّتي تَقَعُ في بعضِ البلادِ الإسلامِيَّةِ: أصلاً هذا خُرُوجٌ عن طريقِ المُسلِمِينَ، وتَشبُّهٌ بالكافِرينَ، وقد قال ربُّ العالَـمِينَ: }وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْـهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْـمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً{.). ا. هـ.
    3 ـ قال الإمامُ ابنُ عُثَيمِينَ رحِمَهُ اللهُ تعالى:
    (الخليفَةُ المأمُونَ قَتَلَ مِنَ العُلماءِ الّذين لم يَقُولُوا بِقَولِهِ في خَلْقِ القُرآنِ، قَتَلَ جمعًا مِنَ العُلماءِ، وأجبَرَ النّاسَ على أن يَقُولُوا بهذا القَولِ الباطِلِ، ما سَمعنا عنِ الإمامِ أحمدَ ـ وغيرِهِ مِنَ الأئِمَّةِ ـ أنَّ أحدًا منهم اعتَصَمَ في أيِّ مسجِدٍ أبدًا، ولا سَمِعنا أنَّهم كانوا يَنشُرُونَ مَعايِبَهُ مِنْ أجلِ أن يَحمِلَ النَّاسُ عليه الحِقدَ والبَغضاءَ والكراهِيَّةَ ... ولا نُؤيِّدُ المظاهَراتِ أو الاعتِصاماتِ، أو ما أشبَهَ ذلك، لا نُؤيِّدُها إطلاقًا، ويُمكِنُ الإصلاحُ بِدُونِها، لكنْ لا بُدَّ أنَّ هناك أصابِعَ خَفِيَّةً داخِلِيَّةً أو خارِجِيَّةً، تُحاوِلُ بَثَّ مِثلَ هذه الأُمُورِ). ا. هـ.
    وبعدَ هذا:
    أترُكُ لأخي القارِئَ لِينتَقِيَ التَّعلِيقَ المُناسِبَ على كلامِ كثيرٍ مِنَ الدُّعاةِ اليومَ ـ فضلاً عن عامَّةِ النَّاس، بل وطَبَقَةِ ما يُسمَّى بالفنَّانِينِ ـ إذا ما قارنَّاهُ مع ما تقدَّمَ مِنْ تأصِيلٍ.
    وفي آخرِ هذا المقالِ أختِمُ بِـ (نصائِحَ وضوابطَ) تُهذِّبُ وتُقوِّمُ سلوكَنا في خِضَمِّ الفِتنِ والنوازِلِ، وتَعصِمُ ـ بإذنِ اللهِ تعالى ـ مِنِ انحرافِ الوجهَةِ عنِ الصِّراطِ، سائلين الله تعالى أن يُعافيَنا مِنَ الوقوعِ في مَسَاخِطِه.
    أولاً: عليكَ بـ (الرُّجُوعِ إلى أهلِ العِلمِ الرّاسِخِينِ فيه)، العالِـمِينَ بِالكتابِ والسُّنَّةِ بِفهمِ سَلَفِ الأُمَّةِ، وإيَّاكم وأهل البِدَعِ والجهالَةِ، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾. وحَسبِيَ أنْ أُذكُّرَ بما في الصَّحِيحَينِ مِنْ قولِهِ ـ صلّى الله عليه وسلَّم ـ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلمَ انتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَماءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِـمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
    ثانياً: (اعتِزالُ الفِتَنَةِ)، فقد صَحَّ عندَ التِّرمذيِّ وغيرِهِ، عَن أبِي مُوسى الأشعريِّ ـ رضي اللهُ عنه ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ أنَّهُ قالَ وهو يَتحدَّثُ عنِ الفِتنَةِ: «كَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ، وَكُونُوا كَابْنِ آدَمَ». وفي صَحِيحِ مُسلِمٍ، عن أبي بَكرَةَ ـ رضي اللهُ عنه ـ أنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ ـ قال: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الماشِي فِيهَا، وَالماشِي فِيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيهَا، أَلا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ». فقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ! أرَأيتَ مَن لَم يَكُن له إِبِلٌ ولا غَنَمٌ ولا أَرضٌ؟ قال: «يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ».
    ثالثاً: (الاشتِغالُ بالعِبادَةِ)، قال النَّبيُّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ: «عِبَادَةٌ فِي الهَرْجِ [أي عندَ الفِتَنِ والاقتِتالِ] كَهِجْرَةٍ إلَيَّ».(رواه مسلمٌ). وقال النوويُّ (في شرحِ مُسلمٍ، 18/88): "وسببُ كثرةِ فضلِ العبادةِ فيه: أنَّ الناسَ يَغفلُونَ عنها ويَشتغِلُونَ عنها، ولا يَتفرَّغُ لها إلا أفرادٌ".
    رابعاً: حَذارِ! أنْ تتَشرَّبَ الفِتنَةَ بِقلبِكَ، أو أنْ تكُونَ حَطباً لها بقولِكَ أو عَمَلِكَ.
    خامساً: تَحلَّى بـ (الحِلْمِ، والأَناةِ، والرِّفقِ)، وتَخلَّى عنْ أضدادِها.
    وأخيراً: عليكم بكثرَةِ (الدُّعاءِ) مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّضرُّعِ إليه.
    ولِـمَنْ يَلتَمِسُ الاستِزادَةَ مِنْ هذه النَّصائِحِ فليَرجِعْ لِـما كتبتُهُ تحتَ عنوان: "نصائِحُ وضوابِطُ ينبغي التَّسلُّحَ بها في خِضَمِّ الفِتَنِ والنَّوازِلِ"، والّذي نُشِرَ كسِلسِلَةٍ مِنَ المقالاتِ في "رسائِلِ أهل السُّنَّةِ" ـ غزة، في رُكنِ المنهَجِ منها.
    أسألُ اللهَ أنْ يُجنِّبَ الأُمَّةَ ما ظَهَرَ مِنَ الفِتَنِ وما بَطَنَ
    وأسألُهُ تعالى أنْ يُصلِحَ أحوالَ جميعِ بلادِ المُسلِمينَ، وتُونُسَ مِصرَ خاصَّةً، عاجِلاً غيرَ آجِلٍ


    وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ

    وكتب
    أبو عبدِ الرحمنِ عبدُ النّاصِرِ أبو مُصطفى


    28/صفر/1432هـ الموافق: 01/02/2011 إفرنجي
    >>>>>>>>>>>>>>>>>>من فضل الله<<<<<<<<<<<<<<<<<<
    if]إلى كل من أراد الحق بعدما اختلطت عليه الفتاوى

    erif]لا طريق للنجاة من هذه الفتنة ]
    ] إلا بالدعاء و التضرع إلى الله أن يريك طريق الحق]
    if]فالزم الدعاء ليل نهار واقرأ كتابه بتدبر رجاء أن ينجيك الله]
    if]واسلك طريق الصحابة الذين اعتزلوا الناس وقت الفتنة]
    rif]ولم يخوضوا فيها بألسنتهم فضلا أن يسيروا فيها]
    T]

    -- =======\ قال ابن الجوزي رحمه الله إنّ جورَ الملوك نقمة من نقم الله تعالى،
    و نقم الله لا تلاقى بالسيوف، و إنما تُتقى و تستدفع بالدعاء و التوبة و الإنابة و الإقلاع عن الذنوب،
    إنّ نقمَ الله متى لقيت بالسيوف كانت هي أقطع )

    --
    ===============


    [/FONT][/FONT]


    التعديل الأخير تم بواسطة جمانة 55 ; 12-02-2011 الساعة 03:23AM

  2. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ جمانة 55 على المشاركة المفيدة:

    مجرد زائر (12-02-2011), شقـَآوَهـ (14-02-2011)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •