صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 1 2 3
النتائج 21 إلى 27 من 27
  1. #21
    لست أدري ...!

    رقم العضوية: 16808
    تاريخ التسجيل : 27 - 04 - 2007
    الدولة: بُعد آخر ...
    المشاركات: 6,120
    الجنس : فتاة
    العمل : مُعتزله ...!
    التقييم: 8484
    تم شكره 858 مرة في 460 مشاركة

    الأدب و الأديب ...
    وحي القلم ... مصطفى صادق الرافعي ...



    إذا أعتبرت الخيال في الذكاء الإنساني و أوليته دقة النظر و حسن التمييز لم تجده في الحقيقة تقليداً من النفس للألوهية بوسائل عاجزة منقطعة قادرة على التصور و الوهم بمقدار عجزها عن الإيجاد والتحقيق ... و هذه النفس البشرية الآتية من المجهول في أول حياتها و الراجعة إليه آخر حياتها و المسددة في طريقة مدة حياتها ... لا يمكن أن يتقرر في خيالها أن الشيء الموجود قد انتهى بوجوده ... و لا ترضى طبيعتها بما ينتهي ... فهي لا تتعاطى الموجود فيما بينها و بين خيالها على أنه قد فرغ منه فما يُبدأ ... و تم فما يُزاد ... و خلد فلا يتحول ... بل لا تزال تضرب ظنها و تصرف وهمها في كل ما تراه أو يتلجلج في خاطرها فلا تبرح تتلمح في كل وجودٍ غيباً ... و تكشف من الغامض و تزيد في غموضه و تجري دأبا على مجاريها الخيالية التي توثق صلتها بالمجهول ... فمن ثم لا بد في كل شيء - مع المعاني التي له في الحق - من المعاني التي له في الخيال ... و ها هنا موضع الأدب و البيان في طبيعة النفس الإنسانية ... فكلاهما طبيعي فيها كما ترى ... و إذا قيل الأدب ... فـ اعلم أنه لا بد معه من البيان ... لأن النفس تخلق فتصور فتحسن الصورة ... و إنما يكون تمام التركيب في معرضه و جمال صورته و دقة لمحاته ... بل ينزل البيان من المعنى الذي يلبسه منزلة النضج من الثمرة الحلوة إذا كانت الثمرة وحدها قبل النضج شيئاً مسمى أو متميزاً بنفسه ... فلن تكون بغير النضج شيئاً تاماً و لا صحيحاً ... وما بُد من أن تستوفي كمال عمرها الأخضر الذي هو بيانها و بلاغتها ... وهذه مسألة كيفما تناولتها فهي هي حتى تمضيها على هذا الوجه الذي رأيت في الثمرة و نضجها ... فإن البيان صناعة الجمال في شيء جماله هو فائدته و فائدته من جماله ... فإذا خلا من هذه الصناعة التحق بغيره وعاد باباً من الإستعمال بعد أن كان باباً من التأثير ...! و صار الفرق بين حاليه كالفرق بين الفاكهة إذ هي باب من النبات و بين الفاكهة إذ هي باب من الخمر ...! و لهذا كان الأصل في الأدب البيان و الأسلوب في جميع لغات الفكر الإنساني ... لأنه كذلك في طبيعة النفس الإنسانية ... فالغرض الأول للأدب المبين أن يخلق للنفس دُنيا المعاني الملائمة لتلك النزعة الثابتة فيها إلى المجهول و إلى مجاز الحقيقة ... و أن يلقي الأسرار في الأمور المكشوفة بما يتخيل فيها ... و يرد القليل من الحياة كثيراً وافياً بما يضاعف من معانيه ... و يترك الماضي منها ثابتاً قاراً بما يخلد من وصفه ... و يجعل المؤلم منها لذيذاً خفيفاً بما يبث فيه من العاطفة ... و المملول ممتعاً حلواً بما يكشف فيه من الجمال و الحكمة ... و مدار ذلك كله على إيتاء النفس لذة المجهول التي هي في نفسها لذة مجهولة أيضاً ... فإن هذه النفس طُلعة متقلبة لا تبتغي مجهولاً صرفاً و لا معلوماً صرفا ... كأنها مدركة بفطرتها أن ليس في الكون صريح مطلق و لا خفي مطلق و إنما تبتغي حالة ملائمة بين هذين ... يثور فيها قلق أو يسكن منها قلق ... و أشواق النفس هي مادة الأدب ... فليس يكون أدباً إلا إذا وضع المعنى في الحياة التي ليس لها معنى ... أو كان متصلاً بسر هذه الحياة فيكشف عنه أو يُومئ إليه من قريب ... أو غيَر للنفس هذه الحياة تغييراً يجيء طباقاً لغرضها و أشواقها ... فإنه كما يرحل الإنسان من جو إلى جو غيره ... ينفله الأدب من حياته التي لا تختلف إلى حياة أخرى فيها شعورها و لذتها و إن لم يكن لها مكان و لا زمان ... حياة كملت فيها أشواق النفس لأن فيها اللذات و الآلام بغير ضرورات و لا تكاليف ... ولعمري ما جاءت الجنة و النار في الأديان عبثاً ... فإن خالق النفس بما ركبة فيها من العجائب لا يحكم العقل أنه قد أتم خلقها إلا بخلق الجنة و النار معها ... إذ هما الصورتان الدائمتان المتكافئتان لأشواقها الخالدة إن هي استقامت مُسددة أو انعكست حائلة ... و قد صح عندي أن النفس لا تتحقق من حريتها و لا تنطلق انظلاقتها الخالدة فتحس وحدة الشعور و وحدة الكمال الأسمى - إلا في ساعات و فترات تنسل فيها من زمنها و عيشها و نقائضها و اضطرابها إلى منطقة الحياد خارجة وراء الزمان و المكان - فإن هبطتها النفس فكأنما انتقلت إلى الجنة و استروحت الخُلد ... و هذه المنطقة السحرية لا تكون إلا في أربعة ... حبيب فاتن معشوق أُعطي قوة سحر النفس فهي تنسى به ... و صديق محبوب وفيَ أوتي قوة جذب النفس فهي تنسى عنده ... و قطعة أدبية آخذة فهي ساحرة كالحبيب أو جاذبة كالصديق ... ومنظر فني رائع ففيه من كل شيء شيء ... و هذه كلها تنسي المرء زمنه مدة تطول و تقصر ... و ذلك فيها دليل على أن النفس الإنسانية تُصيب منها أساليب روحية لأتصالها هنية بالروح الأزلي في لحظات من الشعور كأنها ليست من هذه الدنيا و كأنها من الأزلية ... و من ثم نستطيع أن نقرر أن أساس الفن على الإطلاق هو ثورة الخالد في الإنسان على الفاني فيه ... و أن تصوير هذه الثورة في أوهامها و حقائقها بمثل اختلاجاتها في الشعور والتأثير هو معنى الأدب و أسلوبه ... ثم إن الإتساق و الخير و الحق والجمال - و هي التي تجعل للحياة الإنسانية أسرارها - أمور غير طبيعية في عالم يقوم على الإضطراب و الأثرة و النزاع و الشهوات ... فمن ذلك يأتي الشاعر و الأديب و ذو الفن علاجاً من حكمة الحياة للحياة ...! فيبدعون لتلك الصفات الإنسانية الجميلة عالمها الذي تكون طبيعية فيه ... و هو عالم أركانه الاتساق في المعاني التي يجري فيها ... و الجمال في التعبير الذي يتأدى به ... و الحق في الفكر الذي يقوم عليه ... و الخير في الغرض الذي يساق له ... و يكون في الأدب من النقص و الكمال بحسب ما يجتمع له من هذه الأربعة ...! و لا معيار أدق منها إن ذهبت تعتبره بالنظر و الرأي ... ففي عمل الأديب تخرج الحقيقة مضافاً إليها الفن ... و يجيء التعبير مزيداً فيه الجمال ... و تتمثل الطبيعة الجامدة خارجة من نفس حية ... و يظهر الكلام و فيه رقة حياة القلب و حرارتها و شعورها و انتظامها و دقها الموسيقي ... و تلبس الشهوات الإنسانية شكلها المهذب لتكون بسبب من تقرير المثل الأعلى ... الذي هو السر في ثورة الخالد من الإنسان على الفاني ... و الذي هو الغاية الأخيرة من الأدب والفن معاً ... وبهذا يهب لك تلك القوة الغامضة التي تتسع بك حتى تشعر بالدنيا و احداثها مارة من خلال نفسك ... و تحس الأشياء كأنها انتقلت إلى ذاتك من ذواتها ... و ذلك سر الأديب العبقري ... فأنه لا يرى الرأي بالإعتقاب و الاجتهاد كما يراه الناس ... و إنما يحس به ...! فلا يقع له رأيه بالفكر بل يلهمه إلهاماً ... و ليس يؤاتيه الإلهام إلا من كون الأشياء تمر فيه بمعانيها و تعبره كما تعبر السفن النهر ... فيحس أثرها فيه فيلهم ما يلهم ... و يحسبه الناس نافذاً بفكره من خلال الكون على حين أن حقائق الكون هي النافذة من خلاله ...


  2. #22
    لست أدري ...!

    رقم العضوية: 16808
    تاريخ التسجيل : 27 - 04 - 2007
    الدولة: بُعد آخر ...
    المشاركات: 6,120
    الجنس : فتاة
    العمل : مُعتزله ...!
    التقييم: 8484
    تم شكره 858 مرة في 460 مشاركة

    كل واحد له طريقة ...
    كتاب ... قل لي يا أستاذ ... أنيس منصور ...





    لا توجد قاعدة واحدة للتفكير أو لـ هئية الإنسان عندما يفكر ... فأنت تفكر و أنت جالس و أنت في الطريق و أنت نائم ... و الذين يحترفون التفكير لهم طرق مختلفة ... فـ سقراط الفيلسوف كان يمشي مع تلامذته في الشوارع و يجلسون على الأرض ثم ينهض و يدور حولهم ... و الفيلسوف أرسطو كانت له مدرسة و كانت في المدرسة طرقات و كان يتمشى و تلامذته وراءه و لذلك أطلقوا على أنفسهم المشائين ... و العالم الإغريقي أرشميدس كان مشغولاً بإكتشاف أحد قوانين الطبيعة و فجأة قفز من الحمام عارياً يمشي في الشوارع وهو يقول وجدته وجدته ...! و الأديب الأنجليزي و التراسكوت كان لا يفكر إلا نائماً تحت شجرة ... و مؤلف قصص الأطفال الدنمركي أندرسن كان لا يفكر إلا نائماً و كان نحيفاً جداً و كان يترك ورقة إلى جوار سريره مكتوباً عليها لست ميتاً و لكن أبدو كذلك ...! و الذين يفكرون وهم نائمون يضعون ورقة وقلماً تحت المخدة كذلك يفعل الأديب الروسي تولستوي ... و الذين يسرحون و هم جالسون - أي الذين ليسوا مع الناس - فلا هم جالسون و لا هم واقفون و لا هم نائمون و إنما في حالة تجمع كل هذه الحالات مثل أمير الشعراء أحمد شوقي و كان كثيراً ما يحرك شفتيه لأنه كان ينظم قصيدته سراً ثم يحفظها و قد يجد ورقاً و لا يجد فإذا لم يجد أخرج علبة سجائر و كتب عليها القصيدة ... و كان الشاعر البحتري و الشاعر ابراهيم ناجي يمشيان ثم يتوقفان و يسند الواحد منهما كتفه إلى حائط و ينظر إلى فوق و إلى تحت ثم يمضي في نظم قصديته و بسرعة يعود إلى البيت يسجل الذي نظمه في الطريق ... و كان البحتري كثيراً ما يقول لنفسه بعد الفراغ من نظم قصيدته الله الله يا بحتري ...! أو يقول لنفسه الله يا أعظم الشعراء رغم أنف الجميع ...! و كثيراً من الأدباء الكبار كانوا يفكرون و هم يمشون فإذا قرروا أن يكتبوا لم يجلسوا و إنما ظلوا واقفين مثل الشاعر الألماني جيته فقد كان يشكو من المصران الغليظ و كذلك الأديب الأمريكي همنجواي و الأديب الروسي نابكوف و الأديبة الفرنسية جورج صاند و الأديب الإيطالي شيزاره بافيزه و الأستاذ العقاد ...! فكان للأستاذ العقاد مكتب صغير و هذا المكتب لا يستطيع الأستاذ أن يدخل تحته ليستريح عند الكتابة و لذلك كان يجعل المكتب إلى جواره و يكتب و كان يتعب فلم يكن أمامه إلا أن يقف و ينكفئ على المكتب و لم يفكر الأستاذ العقاد في أن الحل الوحيد هو أن يشتري مكتباً أكبر و مقعداً أعرض ...! و عندما نبهت الأستاذ العقاد إلى ذلك ضحك قائلاً تأخرت كثيراً يا مولانا كان يجب أن تظهر قبل أن تولد بعشرين عاماً ...!!!

  3. #23
    لست أدري ...!

    رقم العضوية: 16808
    تاريخ التسجيل : 27 - 04 - 2007
    الدولة: بُعد آخر ...
    المشاركات: 6,120
    الجنس : فتاة
    العمل : مُعتزله ...!
    التقييم: 8484
    تم شكره 858 مرة في 460 مشاركة

    شذى ...}
    ما يمكن أن يُنثر من إبداع خطته أنامل فريده يستحق الإشادة إليه بالجمال و الروعة ...




    الموت و الحياة ... كتاب زاد المعاد ... ميخائيل نعيمه ...


    كتبها في أوائل آذار سنة 1943 انهارت بناية { كوكب الشرق } في بيروت فقضت على أربعين من الذين اتفق وجودهم فيها ... و بعد أيام أعلن النادي الماروني في بيروت عزمة على إقامة تذكارية لـ ضحايا الحادث و ضرب لها ميعاداً في 15 نيسان ... لكن الحكومة منعتها قبل ميعادها بيوم ... و هذه الخطبة أعدت لـ تُلقى فيها ...




    عندما كتب إليَ رئيس النادي الماروني يدعوني لإلقاء كلمة في هذا الاجتماع استهل دعوته بقوله { بيروت المفجوعة بأربعين من أبناءها تقيم لهم مناحة كبرى } و إذ أن التقاليد الاجتماعية تقضي على من يقبل دعوة أن يتقيد بمشيئة الداعي كان من الواجب أن آتيكم و على قلبي عصبة سوداء ... و في عيني فيض الدموع ... و بين شفتي ندبة أولها واحسرتاه و آخرها و أحرَ قلباه ... غير أني ما جئتكم لأنوح فهل يغفر لي النادي و هل تغفرون لي هذا الاعتداء الفاضح على التقاليد ...؟ فأنا و إن نحت في حياتي على أمور كثيرة ما نحت يوماً و لن أنوح على الله ... و عندي أن من ينوح على ميت إنما ينوح على الله ... و متى كان الله في حاجة إلى نوحكم و نوحي ...؟ أو ليس الله حياً من الأزل و إلى الأبد ...؟ إذن كل ما ينبثق منه يحيا بحياته مهما تبدلت أحواله و كيفما تغيرت أشكاله ... و الذي يقول إن الأموات قد بادوا و اندثروا إنما يقول إن الله الذي كان و يزال حياً فيهم قد باد و اندثر ...! و الذي يؤمن بأن الموت رب الحياة أحر به أن يعبد الموت و يكفر بالحياة ...! و الذي يبصر في الموت نهاية الحياة إنما هو ضرير لا يبصر الحياة و لا الموت ... ما هو العمر ...؟ لمحة من طرف الزمان الذي لا نعرف له بداية لها و لا نهاية ... لكننا قد سلخناها عن الزمان و جعلنا منها سفراً مستقلاً في ذاته ... و جعلنا لذلك السفر فاتحة و خاتمة أما الفاتحة فالولادة و أما الخاتمة فالموت ... و نسينا أن قبل الفاتحة فاتحات و بعد الخاتمة خاتمات ... ففاتحة كل أمر خاتمة لامر سواه ... و خاتمة كل أمر فاتحة لأمر غيره ... و فاتحة الفاتحات و خاتمة الخاتمات لا تتميزان بشيء في دائرة الزمان التي لا تُحد ... فما بالنا و نحن الذين حصرنا الزمان بين المهد واللحد نُقبل على المهد و نهرب من اللحد و ما المهد إلا طريق اللحد و بابه ...؟ ما بالنا نلئم اليد التي كتبت الفاتحة و نعض اليد التي خطت الخاتمة ... و اليد التي خطت الخاتمة عي عين اليد التي كتبت الفاتحة ...؟ إن تكن خاتمة العمر شراً فالفاتحة التي تؤدي إليها شر مثلها ... و إذ ذاك أجدر بنا أن ننوح على من يولد قبل أن ننوح على من يموت ...! أو تكن الفاتحة خيراً فالخاتمة الناتجة عنها خير مثلها ... و عندئذٍ علينا أن نغتبط بالموت اغتباطنا الحياة ... أتروني أكلمكم بالأحاجي ...؟ و بماذا عساني أكلمكم إن لم لأحجية أن تُميت نبات الأرض و طيرها و حيوانها لتحولها لحماً في جسدك و دماً و عظماً و أن تدعو موتها حياة ... و عندما تحول الأرض جسدك نباتاً و طيراً و حيواناً أن تدعو ذلك موتاً لا حياة ... إنها لأحجية أن تأكل الموت في كل ما تأكل و تشربه في كل ما تشرب و تلبسه في كل ما تلبس و أن تنام و تقوم و إياه و أن تشتهيه في كل شهوة من شهواتك و أن تباركه في كل ذلك بـ اسم الحياة ... و من ثم أن تلعنه عندما يأكلك و يشربك و يلبسك و يشتهيك ...! إنها لأحجية أت تقول إذا ما ولد لك ولد { لقد منَ الله علي بمولود } و أن تقول إذا مات ولدك { لقد ابتلاني الله بموت ولدي العزيز } و لو أنصفت نفسك وربك لما رأيت في ولادة ابنك أو ابنتك منَه ... و لا في موته أو موتها بليَه ... أولم تعطيك الحياة كل ذاتها إذ أعطتك الحياة ...؟ أولم تودعك كل أسرارها و كل هيبتها و كل جمالها ...؟ فـ كيف لها أن تزيد ذرة فوق ذاتها أو تنقص ذرة من ذاتها ...؟ أولم تعطيك الحياة السماء وكل ما فيها ...؟ و اليابسة و كل ما عليها ...؟ و البحار و كل ما في أحشائها ...؟ أم أنت لا تحسب شيئاً ملكك إلا إذا استقر في جيبك أو ضمن جدران بيتك أو خلف أقفال خزانتك الحديدية أو كان في يدك صك مسجل في محكمة من محاكم الناس يشهد لك بالملكية ...؟ إذن ضع البحر في جيبك و الشمس و القمر و النجوم في بيتك و احبس الهواء في خزانتك الحديدية و احصل على صك بشذا الأزهار و أغاريد الأطيار و إن أنت قصرت في ذلك فما اللوم على الحياة التي أعطتك أياها بل على يدك التي لا تسع العطية و لا تعرف كيف تتناولها ...! و لو أنك تناولتها بروحك لما كنت في حاجة إلى صكوك و خزائن من حديد ... ولو أنك تناولتها بروحك لعرفت كيف أن الحياة إذا ما اتخذتك وسيلة لتظظهر في شكل إنسان مثلك لا تكون قد { منَت } عليك بذلك الإنسان ... بل تكون ثد { منَت } عليه بذاتها ... و ما أنت إلا شاهد للعجيبة التي تمت فيك قبل أن تتم في ولدك ... فتفهم العجيبة و أد َعنها لنفسك شهادة صادقة ... و حينئذٍ تعرف أن الولد الذي يولد بواسطتك لا يولد لك بل للحياة كلها ... فلا ولادته منَة عليك و لا موته قصاص لك ...! وحينئذٍ تعرف أنك للحياة مثلما الحياة لك ... ومن ثم فالحياة ما أعطتك جسدها بكلما فيه من جمال محسوس حتى أعطتك روحها بكل ما فيها من روعة قدسية تفوق الحس والإدراك ... أولم تعطك المقدرة على أن تحب بلا حد و لا قياس و لا نهاية ...؟ و ها أنت قد وضعت لمحبتك حداً و جعلت لها قياساً و نهاية ... فتقربت من عشرات الناس و أقصيت عنك الملايين ... و أحببت القليل و كرهت الكثير ... ها أنت تحسبني غريباً عنك لأني ليس بيني وبينك صلة رحم أو مصلحة جوار ... بل أنت تكرهني لأن ليس بيني و بينك صلة المواطن و الجنس و اللغة والدين ... ألا قل لي بحقك هل بعد صلة الحياة من صلة ...؟ أفي الحياة موطن أم جنس أم لغة أم دين أوسع من الحياة ...؟ و أنت لو أقتربت مني لوجدت فيَ صلة جديدة بينك وبين نفسك ... و أنت لو أحببتني لوجدت فيَ ثروة أبن منها كل ثروات المال و العقار ... غير أنك أقصيتني عنك فأقصيت نفسك عن نفسك ... و ابغضتني فأبغضت نفسك في نفسك ... و أنت مع ذلك تلومني و تلوم الحياة ... ألا لم قلبك الذي ضاق دون ثروة الحياة ... ما كره الإنسان الموت إلا لأنه لم يُحسن محبة الحياة ... و ما كان الموت نكبة لو لم يجعل الإنسان من حياته نكبة ... ما هي النكبة أن تنهار بناية على أربعين من الناس فتترك أجسامهم أشلاء ... بل هي النكبة أن نرى مشيئة الحياة نكبة ... و أن نتعثر في كل لحظة من حياتنا بأشلاء الجمال و الإيمان و المحبة فلا نرى في ذلك نكبة ... هي النكبة أن نرقص في أعراس الأرض و قد تكون جنائز السماء ... و أن ننوح في جنائز الأرض و قد تكون أعراساً في السماء ... هي النكبة أن نتنفس الهواء لنحيا ثم أن ننفث في الهواء سموم أحقادنا و أحسادنا و أطماعنا لـ نُميت و نموت ... هي النكبة أن تسقينا الأرض من عصير قلبها الطاهر فنسقيها من دماء قلبونا الممزقة بشفار بغائضنا و أهوائنا ... هي النكبة أن نهرب من الدنيا إلى الدين فيردنا أولياء الدين إلى الدنيا ... هي النكبة أن تقلد إنساناً وظيفة لـ يخدمك فيها فيصبح سيدك و تصير خادمه ... هي النكبة أن تكون صحيح العقل فتأتي من بيت المجانين بمن يدرب عقلك و يثقفه أو تكون سليم الجسم فتأتي من المستشفى بعليل يداويك ...! هي النكبة أن يعفَر الإنسان وحهه أمام إنسان ... او أن يتسول حق الحياة و جمالها و حريتها من إنسان ... هي النكبة أن يكون الإنسان نكبة الإنسان ... أما النكبات فهي أن تتعلق بخيوط واهية من ذيل ثوب الحياة ولك الحياة بكل أرواحها و كل أجسادها و كل أثوابها ... ألم أقل إني ما جئت لأنوح ...؟ و كان عليَ أن أقول كذلك إني ما جئت لأهلل فما التهليل إلا قرار النوح البعيد ... إنما جئت لأشهد أمامكم و أمام نفسي أن القدرة التي تحييني و تحيي كل شيء هي أبداً هي لا زيادة ولا نقصان ... و ذلك لأنها تنفق ذاتها بدون حساب فمن حاول أن يحاسبها في ما تعطيه و تأخذ منه خسرها ... و من اعطاها كل ما له بغير حساب مثلما تعطيه بغير حساب ربحها ... من استأثر بها أضاعها و من أفلتها وجدها ... أولا ترون إلى النهر الذي يُفرغ ذاته في البحر كيف يعود البحر فيترعه من جديد ...؟ أم لا ترون إلى البركة التي تحاول أن تستأثر بهبة البحر كيف تمسي آسنة قذرة ...؟ و نحن لن نتغلب على ما فينا من أسن الموت و قذاراته حتى نتعلم كيف نحب الحياة ... و نحن لن نتعلم كيف نحب الحياة حتى نتعلم كيف ننفقها بلا حساب و بلا أمل بأيما ثواب ... و نحن لن ننفقها بلا حساب و بلا أمل و بأيما ثواب حتى نمزق كل ما في أيدينا من صكوك زائفة تشهد لنا بالملك في هذا البعض منها أو ذاك ... و ندرك أن جسدها الكامل جسدنا و هو لا يتقسم و روحها الشامل روحنا و هو لا يتجزأ ... و إذ ذاك ليس في العالم من نكبات و منكوبين بل أخوة بلا حد و أبوة بلا قياس و أمومة بلا نهاية ...

  4. #24
    لست أدري ...!

    رقم العضوية: 16808
    تاريخ التسجيل : 27 - 04 - 2007
    الدولة: بُعد آخر ...
    المشاركات: 6,120
    الجنس : فتاة
    العمل : مُعتزله ...!
    التقييم: 8484
    تم شكره 858 مرة في 460 مشاركة

    كتاب ... مختصر صحيح البخاري ... للزبيدي ...
    { كتاب أحاديث الأنبياء }...


    عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ... { أول ما اتخذ النساء المنطق {1} من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً، لتعفي أثرها {2} على سارة ... ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة {3} فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء ... فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفَّى إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ...؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها... فقالت له آلله الذي أمرك بهذا ...؟ قال نعم قالت إذاً لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } حتى بلغ {يَشْكُرُونَ} وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط {4}فانْطَلَقَتْ كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود{5} حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات ... قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم { فذلك سعي الناس بينهما } فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت صه - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت قد أَسْمَعْتَ إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بِعَقِبِه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه {6} وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عيناً معيناً {7} ... قال فشربت وأرضعت ولدها ... فقال لها الملك لا تخافوا الضيعة {8} فإن ها هنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله ... وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهم - أو أهل بيت من جُرهم{9}- مقبلين من طريق كداءٍ فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً {10} ... فقالوا إن هذا الطائر ليدور على ماء لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جرياً {11}أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا... قال وأم إسماعيل عند الماء فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك ...؟ فقالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء ... قالوا نعم... قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس{12} فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشبَّ الغلام وتعلم العربية منهم وأنْفَسهم وأعجبهم حين شبَّ فلما أدرك زوَّجوه امرأة منهم ... وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت خرج يبتغي{14} لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بِشَرٍّ نحن في ضيق وشدة فشكت إليه قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيِّر عتبة بابه{15} ... فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً فقال هل جاءكم من أحد ...؟ قالت نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا ...؟ فأخبرته أنَّا في جهد وشدة ... قال فهل أوصاك بشيء ...؟ قالت نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول غيِّر عتبةَ بابك ... قال ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلَّقها وتزوَّج منهم أخرى ... فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت خرج يبتغي لنا قال كيف أنتم ...؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بخير وسعة وأثنت على الله فقال ما طعامكم ...؟ قالت اللحم قال فما شرابكم ...؟ قالت الماء قال اللحم بارك لهم في اللحم والماء ... قال النبي صلى الله عليه وسلم { ولم يكن لهم يومئذ حَبٌّ ولو كان لهم دعا لهم فيه} ... قال فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومُرِيه يثبِّت عتبة بابه ... فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد ...؟ قالت نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا ...؟ فأخبرته أنا بخير قال فأوصاك بشيء ...؟ قالت نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبِّت عتبة بابك ... قال ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً{16} له تحت دوحة قريباً من زمزم فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ... ثم قال يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال فاصنع ما أمرك ربك قال وتعينني ...؟ قال وأعينك قال فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتاً وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها ... قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ...






    هوامش ...}
    {1} ... المنطق ... ما يشد به الوسط ...
    {2} ... لتعي أثرها ... سبب ذلك أن سارة غارت لما حملت بإسماعيل فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء ...
    فاتخذت هاجر المنطق فشَدت به وسطها وهربت وجرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة ...
    {3}... يتلبط ... يتمرغ و يضرب بنفسه الأرض ...
    {4}... دوحة ... هي الشجرة الكبيرة ...
    {5} ... المجهود ... الذي أصابه الجهد و هو الامر المشق ...
    {6} ... تحوضه ... أي تجعله مثل الحوض ...
    {7} ... معيناً ... أي ظاهراً جارياً على وجه الأرض ...
    {8} ... الضيعة ... الهلاك ...
    {9} ... جُرهم ... هو ابن قحطان بن عامر بن ضال بن أرفخشد بن سام بن نوح ...
    {10} ... عائفاً ... الذي يحوم على الماء و يتردد ولا يمضي عنه ...
    {11} ... جرياً ... أي رسولاً ... سمي بذلك لأنه يجري مجرى مرسله أو لأنه يجري مسرعاً في حوائجه ...
    {12} ... الأنس ... ضد الوحشة ...
    {14} ... يبتغي لنا ... أي يطلب الرزق بالصيد ...
    {15} ... يغير عتبة بابه ... كناية عن طلاق امرأته ...
    {16} ... نبلاً ... هو السهم قبل أن يركب فيه نصله وريشه ...
    التعديل الأخير تم بواسطة الجافيه ; 23-08-2010 الساعة 11:02PM

  5. #25
    لست أدري ...!

    رقم العضوية: 16808
    تاريخ التسجيل : 27 - 04 - 2007
    الدولة: بُعد آخر ...
    المشاركات: 6,120
    الجنس : فتاة
    العمل : مُعتزله ...!
    التقييم: 8484
    تم شكره 858 مرة في 460 مشاركة

    أحبوا و لكن ...؟
    روائع الطنطاوي ... ابراهيم الألمعي ...


    العاطفة هي التي تدير دولاب حياتنا و تسير أمورنا كلها ... أما العقل فلا يصنع وحده شيئاً ... و من يذكر منكم أنه مشى خطوة واحدة برأي العقل وحده ...؟ العقل يا سادتي فيلسوف أعمى ... حكيم مقعد ينادى بصوت خافت ضعيف ... أما العاطفة فهي القوة هي النشاط هي الحياة ... أنا لا أقول اقتلوا العاطفة لأن في موتها موتنا ... و لكن أقول إن العاطفة تضيق حتى لا تشمل إلا شخصاً واحداً ... وتنحط حتى تنزل من قلب هذا الشخص إلى ما تحت القلب إلى ما تحت السرة ...! وتسمو حتى تحيط بـ المُثل الإنسانية العالية ... وتعم حتى تشمل الأمة كلها بل الإنسانية جمعاء ... فـ اسموا بعواطفكم عن مواطن شهواتكم ... و اخرجوا ها من ذواتكم ... و قفوها على أمتكم و بلادكم ... أحبوا فإن الذي لا يحب لا يكون انساناً ... و اذكروا واحلموا و تأملوا و لكن افهموا الحب بمعناه الواسع الذي يشمل كل ما هو حق وخير و جميل ... أحبوا و لكن ابقوا مسلمين ... إن للمسلم قلباً قال الله عز وجل ...{ إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } و لكن المسلمين يغضون عيونهم و قلوبهم وفروجهم ... { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ... فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } ... أحبوا و لكن ابقوا رجالاً ... إن الرجل إذا احب لم يبكِ و يتذلل و يأرق الليل ... و لم يلقِ شفتيه على قدمي المرأة كما كان يفعل لامارتين ... و لكنه يقوم قائماً على مشط رجله ثم يقول لها بعينيه النافذتين و عضلاته الحجرية و إرادته الماضية و رجولته البادية { تعالي } ...! أحبوا ولكن ابقوا أفراداً من هذه المجموعة البشرية التي هي الأمة ... لا يقطعكم الحب منها و يعدكم إلى الحياة الفردية الوحشية ... فتنكروا كل شيء وتنسوا الدنيا و تتجاهلوا الحياة ... إلا إذا أشرقت عليها نظرة المرأة و أضاءت في أرجائها كلمة منها ... و لا تقيموا الدنيا و تقعدوها و تغرقوا الأرض بالدموع لأن الحبيبة المحترمة لم تمنح قُبلة وعدت بها و لم تصل وقد لوحت بالوصل ... تنظمون الأشعار في هذه الكارثة و تنشئون فيها الفصول ... تبكون و تستبكون ثم تنامون آمنين مطمئنين ... و النار من حولكم تأكل البلاد و العباد ... الشعر شعور فأي شعور و أي حس فيمن يرى أمة كريمة مجيدة بقضها و قضيضها و مفاخرها و تاريخها و حياتها و أمجادها تُطرد من ديارها و تخرج من بيتها - و هي أمته و أفرادها إخوته - لتعطى مساكنها إلى أمة من أسقط الأمم ... أمة ضُربت عليها الذلة والمسكنة و باءت بغضب من الله ... وغضب من الناس و من الحق و الفضيلة و التاريخ ... و يرى صدورها مفتحة للرصاص ... و شيوخها مساقين إلى حبال المشانق ... و شبابها في شعاف الجبال و بطون الأودية يدفعون الظلم بالدم ... و أطفالها و نساءها بين لصين ... لص ديار ولص أعراض ... لص يحارب بالذهب و لص يقاتل بالبارود ... ثم لا يحس هذا كله و لا يدري به و لا يفكر فيه لماذا ...؟ لان الشاعر المسكين مصاب متألم ... ما له ...؟ ما مصابه ...؟ إن حبيبته لم تعطه خدها ليقبله ...!
    إن العاطفة إذا بلغت هذا المبلغ كانت جريمة ...!
    التعديل الأخير تم بواسطة الجافيه ; 30-08-2010 الساعة 10:52PM

  6. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ الجافيه على المشاركة المفيدة:


  7. #26
    لست أدري ...!

    رقم العضوية: 16808
    تاريخ التسجيل : 27 - 04 - 2007
    الدولة: بُعد آخر ...
    المشاركات: 6,120
    الجنس : فتاة
    العمل : مُعتزله ...!
    التقييم: 8484
    تم شكره 858 مرة في 460 مشاركة

    مواجهة الغموض بنجاح ...
    كتاب ... الشعور بما يحدث ... أنطونيو داماسيو ...


    لقد كان هناك افتقار إلى الاتفاق بين أؤلئك الذين يدرسون مسألة الوعي ليس فقط بشأن ما يعنيه الوعي بل أيضاً بشأن احتمالات فهم أساساته البيولوجية ... كانت هناك أيضاً درجة معينة من الحيرة و حتى من القلق بين أؤلئك الذين هم ليسوا علماء وعي و إنما هم مستخدمون يوميون بسطاء بشأن العواقب البشرية لتوضيح بيولوجيا الوعي ... بالنسبة إلى قلة من غير المختصين فإن الوعي و العقل لا يمكن التمييز بينهما فعلياً ...و كذلك الوعي والضمير أو الوعي و النفس أو الوعي و الروح بالنسبة إليهم و بالنسبة إليك يشكل العقل و الوعي و الضمير و النفس و الروح منطقة واحدة كبيرة من الغرابة تفصل البشر عن بعضهم بعضا ... و تفصل ما هو غامض عما هو قابل للتفسير وما هو مبجل عما هو مدنس ... ليس أمراً مفاجئاً أن نكشف أن الأسلوب الذي تتم به مقاربة هذا الدمج السامي للصفات البشرية هو غاية في الاهمية لأي كائن بشري حساس ... و حتى تلك الإساءة يمكن أن تؤخذ وفقاً للأعتبارات النابذة ظاهراً لطبيعتها ... سيعرف أي شخص واجه الموت ما أشير إليه بالضبط ربما لأن عدم عكسية الموت تركز أفكارنا بحدة على المقياس البارز للحياة البشرية الموجهة بالعقل ... وبالرغم من ذلك يجب لهذه الحياة ألا تأخذ الموت على نحو يجعل أي شخص حساساً لهذه المسألة ... يجب أن تكون الحياة كافية لتجعلنا نقارب العقل البشري باحترام لقدره وعلو مكانته ... و أيضاً على نحو تناقضي تقريباً لهشاشته ... و لكن دعوني أوضح أمراً ما يساعدنا العلم في التمييز بين الظواهر ... و باستطاعة العلم الآن أن يميز بنجاح بين عدة مكونات للعقل البشري ... و الواقع أنه يمكن التمييز بين الوعي و الضمير ... يتعلق الوعي بمعرفة أي شيء أو فعل يُعزى إلى الذات بينما يتعلق الضمير بالخير أو الشر الموجود بالأفعال أو الأشياء ... كم يمكن أيضاً التمييز بين الوعي و العقل و الوعي هو ذلك الجزء من العقل المتعلق بالأحساس الظاهر بالذات و المعرفة ... لا يتعلق العقل بالوعي فقط و يمكن أن يكون هناك عقل من دون وعي ... كما نكتشف في المرضى الذين يمكلكون واحداً من الاثنين عقلاً من دون وعي أو وعياً من دون عقل ...! يقترح العلم الحديث تفسيرات للظواهر التي يتدبر التميز بينها ... في حالة العقل يتدبر العلم تفسير أجزاء من منطقة الغرابة الكبيرة فهو يكتشف بعض الآليات خلف بعض الظواهر التي تساهم في إبداع العقل البشري الرائع الذي نحترمه للغاية ... و بالرغم من ذلك فإن الإبداع الرائع لا يتلاشى لمجرد أننا تدبرنا شرح بعض آليات مكوناته الضرورية لحدوثه ... المظهرهو الحقيقة ... العقل البشري كما نشعر به مباشرة عندما نشرح العقل يجب علينا أن نحتفظ بتلك الحقيقة بينما نشبع جزءاً من فضولنا في ما يتعلق بروعة الاتقان خلف مظهره ... هناك مسألة أخرى يجب أن أوضحها إن حل لغز الوعي ليس مثل حل جميع الألغاز العقل ... الوعي هو مكون لا غنى عنه للعقل البشري المبدع و لكنه لا يكَون العقل البشري و لايمثل برأيي ذروة التعقيد العقلي ... إن الحيل البيولوجية التي تسبب الوعي لها عواقب قوية ... ولكني أرى الوعي كوسيط و لا أراه كذروة التطور البيولوجي ... فالذُرى التي أختارها للبيولوجيا هي الأخلاقيات و القانون و العلم والتكنولوجيا و عمل الشعراء و عصارة اللطف الإنساني بالطبع لن يكون لدينا أي من ذلك من دون عجائب الوعي عند منشأ كل إنجاز جديد ... و بالرغم من ذلك فإن الوعي هو الشروق و ليس شمس منتصف النهار و لا هو الغروب ... لا يخبرنا فهم الوعي شيئاً عن منشأ الكون أو معنى الحياة أو قدر كليهما ... بعد حل غموض الوعي و إحداث ثغرة في بعض من ألغاز العقل المرتبطة بافتراض بلوغ العلم لأي منهما ... فلا يزال هناك ما يكفي من الغموض ليشغلنا على مدى حياة علمية طويلة وما يكفي من الرهبة للطبيعة لتبقينا متواضعين إلى المستقبل القريب ... بعد أن نتأمل كيف يمكن للوعي أن ينتج ضمن أرطال اللحم الثلاثة التي نطلق عليها اسم الدماغ قد نبجل الحياة و نحترم البشر لا أكثر و لا أقل ...

  8. #27
    لست أدري ...!

    رقم العضوية: 16808
    تاريخ التسجيل : 27 - 04 - 2007
    الدولة: بُعد آخر ...
    المشاركات: 6,120
    الجنس : فتاة
    العمل : مُعتزله ...!
    التقييم: 8484
    تم شكره 858 مرة في 460 مشاركة

    رد: فرائد من كتاب ...


    كتاب ... خوارق اللاشعور ... للدكتور علي الوردي ...



    أعرف رجلاً اعتاد على أن يتحدث عن كل مشروع يريد أن يقوم به بأحاديث التشاؤم و توقع الفشل ... فهو يقول إذا تحدث إلى صديق له عن مشروعه إنه سيخفق فيه ... و قد سألته ذات مرة عن سبب هذا الإصرار على توقع الفشل فأجاب ... إن توقع الفشل خير من توقع النجاح لأن في ذلك استعداداً للنفس على تحمل الصدمة إذا وقعت ... ثم أضاف إلى ذلك قائلاً ... و ما ضرر الكلمة أنطق بها متفائلاً أو متشائماً إذا كان المشروع قد قدر له أن ينجح أو يفشل في النهاية فالقدر كائن ...! و الكلمات التي أتفوه بها سلفاً سوف تذهب أدراج الرياح من غير أن تؤثر شيئاً ...

    إن هذا الرأي كبير الضرر و من المؤسف أن نراه منتشراً بين الناس و متغلغلاً في عقولهم تغلغلاً عظيماً ... و هو ربما كان نتيجة من نتائج الفلسفة العقلية التي ورثناها من العهد القديم ... فالناس هنا يعتقدون بأن النجاح هو نتيجة الجهد و الإرادة و التفكير و حسن التدبير و لا يضر الإنسان أن يتكلم ما يشاء فالكلام بنظرهم لغو طارئ يتماوج به الهواء مؤقتاً ثم يختفي نهائياً كأنه لم يكن موجوداً ...! و الواقع أن الكلمات التي نرسلها عفواً هي أعظم في تأثيرها النفسي من البرهان المنطقي الذي نحاول أن نقنع عقولنا به ... فالبرهان المنطقي لا يتعدى تأثيره في الغالب حدود العقل الواعي و لذا فهو لا يؤثر في المخيلة إلا قليلاً ... أما الكلمات التي نرسلها على البديهة فهي تنغرز بعد تكرراها في اللاشعور و تصبح قوية الأثر في مصيرنا من حيث لا نعلم ...!

    إن عيب البرهان المنطقي أنه لا يستطيع أن ينمي في النفس عقيدة ... فالعقيدة بنت الإيحاء و التكرار و لهذا السبب نجد وعاظنا و مفكرينا لا ينجحون في تبديل أخلاق الناس أو تغيير عقائدهم إلا نادراً ... فهم يحاولون دائماً أن يقنعوا الناس عن طريق الجدل و إقامة الدليل و ما أشبه ... هذا بينما الناس يسيرون في أمورهم الفكرية و الاجتماعية على أساس ما انطبع في عقولهم الباطنة من أفكار وعادات و قيم ...

    فهتلر لم يبعث في الأمة الألمانية تلك الحماسة و ذلك التعصب و العجيب لآرائه بواسطة الإقناع المنطقي ... إنما هو قد فعل ذلك بالإيحاء و التلقين و التكرار و بواسطة الاحتفالات و الاجتماعات و الاستعراضات حيث كانت الموسيقى تعزف و الأعوان تهتف و الرايات تخفق و الطيارات تملأ بهديرها الفضاء ...!

    إن كلمة تكرر قولها على نفسك مرة بعد مرة لقادرة أن تطبع في عقلك الباطن شيئاً من الإيمان بها قليلاً أو كثيراً ... و الإيمان يزلزل الجبال كما يقولون ...

    ينتقد بعض الكتَاب القرآن لأنه يكرر القصص و آيات الوعظ مرة بعد مرة و يذكر الله و آثاره في الكون في كل صفحة من صفحاته ... وما درى هؤلاء المغفلون بأن هذا التكرار الذي ينتقدونه هو الذي طبع في نفوس العرب ذلك الإيمان العميق بالله و جعلهم يحطمون إيوان كسرى و عرش القيصر في سنوات معدودة ...!

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 1 2 3

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •