[table1="width:95%;background-color:black;"][cell="filter:;"]
فاروق جويدة ...!
هو أحد أشهر الشعراء المصريين في العصر الحديث تمكن من امتلاك قلب وفكر الكثير
من الناس وخاصة الشباب، يجد القارئ لقصائده العديد من المعاني الجميلة التي تفيض بالمشاعر
المعبرة والأحاسيس، فنجده ينظم قصائد الحب الحالمة الناعمة إلى جانب القصيدة الوطنية
الثائرة، وقد برع في كليهما.
ولم يكتف جويدة بعشقه للشعر، فهو أيضاً صاحب حس صحفي مميز له آراءه الجريئة التي نجده يحمل
فيها الهم المصري والعربي معاً، وله مقالة بصحيفة الأهرام المصرية بعنوان "هوامش حرة" يعرض
من خلالها آراءه المختلفة، قال عنه أحد الشعراء "إن فاروق جويدة يستطيع
أن يذبح بخيوط من حرير".
النشأة....!
ولد فاروق جويدة في العاشر من فبراير 1945م، بقرية أفلاطون بمركز قلين، محافظة كفر الشيخ،
درس بكلية الآداب قسم صحافة جامعة القاهرة وتخرج منها عام 1968م، دخل إلى عالم الصحافة
كمحرر بالقسم الاقتصادي بجريدة الأهرام عام 1968، ثم أصبح سكرتير تحرير بالأهرام عام 1975،
أصبح بعد ذلك مشرف علمي على الصفحة الثقافية بالأهرام عام 1978 والتي تعد أول صفحة ثقافية
يومية في تاريخ الصحافة العربية، ثم تولى رئاسة القسم الثقافي، وبعدها أصبح مساعد
رئيس تحرير الأهرام عام 2002.
وجويدة عضو بكل من نقابة الصحفيين، جمعية المؤلفين، اتحاد الكتاب، لجنة الشعر بالمجلس الأعلى
للثقافة،كما أن له العديد من المشاركات الفعالة في عدد من المهرجانات الشعرية الغربية والدولية،
ومثل مصر في العديد من المناسبات الثقافية الدولية بآسيا وأوروبا، وألقى مجموعة محاضرات عن
تجربته الشعرية بعدد من الجامعات، وشارك في المؤتمرات الثقافية التي أقامتها منظمة التربية
والعلوم والثقافة "اليونسكو"، كما مثل مصر في اليوم العالمي للشعر بباريس عام 1999، وهو
عضو مؤسس في الأكاديمية العالمية للشعر التي أنشأتها منظمة اليونسكو عام 2001 بمدينة فيرونا
الإيطالية ضمن 15 شاعراً تم أختيارهم غلى مستوى العالم.
أسلوبه الشعري....!
تمتع جويدة بأسلوب شعري سهل وسلس تمكن من خلاله من إيصال مشاعره وكلماته لجميع
الأشخاص بمختلف طبقاتهم الثقافية، واخترق جويدة كافة الألوان الشعرية بداية بالقصيدة العمودية،
وانتهاء بالمسرح الشعري، وتميز شعره بصدق الكلمة الشعرية، وفاضت جمله بالحب والوطنية.
كما تميزت أشعار جويدة بغوصها في المشاعر كافة فعندما تتجه قصائده للحب نجد ألفاظ شعرية رقيقة
تتراقص وتنسدل معبره عن حالة رائعة من الحب، وعندما تكون القصيدة وطنية نجد بها ألفاظ قوية
معبرة ثائرة تعلن عن حالة من الغضب والألم والخوف على الوطن، لم يلجأ جويدة للألفاظ الصعبة فلا
يميل للاستعراض بالمفرادات اللغوية المعقدة الغامضة على حساب المتلقي وإنما يقدم له المشاعر
والأحاسيس كافة كما لو كان يقولها على لسان من يستمع إليها ويعيشها.
ويذهب بعض الشعراء في رأيهم أن من يكتب الشعر بغرض التوصيل للناس فهو يكتب شعر سطحي،
بينما يرى فاروق جويدة أن عبقرية الشعر في بساطته فإذا تمكن الشاعر من توصيل أفكاره ومشاعره
من خلال قصائده وأبياته الشعرية للمتلقي بمستوياته المختلفة، فهنا تكمن عبقرية الشاعر وليست
سطحيته، ويرى جويدة أن لو مر الزمان وبقى من إجمالي قصائد الشاعر 3 أو 4 قصائد فهو
إذن شاعر عظيم.
من أشعاره الوطنية تلك التي أهداها لأطفال العراق بعنوان "من قال إن النفط أغلى من دمي"
ويقول فيها:
أطفال بغداد الحزينة يسألون
عن أي ذنب يقتلون
يترنحون على شظايا الجوع
يقتسمون خبز الموت.. ثم يودعون
شبح "الهنود الحمر" يظهر في صقيع بلادنا
ويصيح فينا الطامعون…
من كل صوب قادمون
من كل جنس يزحفون
تبدو شوارعنا بلون الدم
والكهان في خمر الندامة غارقون
بغداد لا تتألمي
مهما تعالت صيحة البهتان
في الزمن العمي
فهناك في الأفق البعيد صهيل فجر قادم
في الأفق يبدو سرب أحلام
يعانق أنجمي
مهما تواري الحلم عن عينيك
قومي.. واحلمي
ولتنثري في ماء دجلة أعظمي
فالصبح سوف يطل يوماً
في مواكب مأتمي
الله أكبر من جنون الموت
والزمن البغيض الظالم
بغداد لا تستسلمي
بغداد لا تستسلمي
من قال إن النفط أغلي من دمي؟!
مؤلفاته وأشعاره...!
قدم جويدة العديد من الكتب والمؤلفات القيمة التي تنوعت ما بين القصائد الشعرية والقضايا السياسية
والثقافية وأدب الرحلات، بالإضافة للمسرحية الشعرية فقدم ثلاث مسرحيات هي " الوزير العاشق،
دماء على ستار الكعبة، الخديوي، هولاكو" وقد مثلت هذه المسرحيات مصر في العديد من
المهرجانات المسرحية العربية.
وتعد كتب جويدة هي الأكثر مبيعاً بين غيره من شعراء عصره، نذكر من كتبه: بلاد السحر الخيال،
ليس للحب أوان، فاروق جويدة – الأعمال الشعرية، دائماً أنت بقلبي، رحلتي "الأوراق الخاصة
جداً"، طاوعني قلبي في النسيان، لأني احبك، في عينيك عنواني، كانت لنا .. أوطان، لن أبيع العمر،
ويبقى الحب، وللأشواق عودة، هوامش حرة، أعاتب فيك عمري، شيء سيبقى بيننا، ألف وجه للقمر،
أخر ليالي الحلم، زمان القهر علمني، قصائد للوطن، أموال مصر كيف ضاعت، بلاد السحر والخيال،
شباب في الزمن الخطأ، قضايا ساخنة، آثار مصر كيف هانت، من يكتب تاريخ ثورة يوليو، وغيرها
العديد من المؤلفات والقصائد القيمة، والتي تم ترجمة العديد منها إلى عدد من اللغات مثل الإنجليزية
والفرنسية وغيرها، وقد تم تناول أعماله الإبداعية في عدد من الرسائل الجامعية سواء في
الجامعات المصرية أو العربية.
ونظم جويدة العديد من القصائد والمسرحيات الشعرية والتي تم تقديمها في شكل فني وغنائي، فغنى له
كاظم الساهر "قصيدة بغداد"، وغنت سمية قيصر قصيدة "في عينيك عنواني" والتي قام محمد عبد
الوهاب بتلحينها وأكملها الموجي، كما قدم على خشبة المسرح المسرحية الشعرية مثل مسرحية "
الوزير العاشق" بطولة سميحة أيوب وعبد الله غيث.
جوائز وتكريم...!
حصد جويدة العديد من الجوائز والأوسمة منها: جائزة الدولة التقديرية في الآداب
من المجلس الأعلى للثقافة، عام 2001، وجائزة كفافيس الدولية في الشعر وتسلم الجائزة
في احتفالية أقيمت في مدينة "قوله" باليونان في الثاني من سبتمبر2007، وتمنح هذه الجائزة
للمبدعين من مصر واليونان، وتحمل اسم شاعر الإسكندرية العالمي كفافيس بهدف
تنمية العلاقات الثقافية بين اليونان ومصر.
قصائده...!
مما قاله جويدة في الحب
وأنت الحقيقة لو تعلمين
يقولون عني كثيراً كثيراً
وأنت الحقيقة لو يعلمون
لأنك عندي زمان قديم
وأفراح عمر وذكرى جنون
وسافرت أبحث في كل وجه
فألقاك ضوءا بكل العيون
يهون مع البعد جُرح الأماني
ولكن حبك ... لا يهون
وقال في الحب أيضاً:
لماذا أراك وملء عيوني
دموع الوداع؟
لماذا أراك وقد صرت شيئا
بعيدا.. بعيدا..
توارى.. وضاع؟
تطوفين في العمر مثل الشعاع
أحسك نبضا
وألقاك دفئا
وأشعر بعدك.. أني الضياع
إذا ما بكيت أراك ابتسامه
وإن ضاق دربي أراك السلامة
وإن لاح في الأفق ليل طويل
تضيء عيونك.. غلف الغمامة
كأنك في الأرض كل البشر
كأنك درب بغير انتهاء
وأني خلقت لهذا السفر..
إذا كنت أهرب منك.. إليك
فقولي بربك.. أين المفر؟!
ومن إحدى القصائد المؤثرة التي عبرت عن اهتمامات جويدة المختلفة والتي حمل في جزء كبير منها
الهم العربي قصيدة " ملعون يا سيف أخي"، والتي يصور فيها المعاناة التي تعرض لها الفلسطينيون
بعد الحصار الذي تعرضت له للمخيمات الفلسطينية في لبنان، ويقول فيها:
لم آكل شيئا منذ بداية هذا العام
والجوع القاتل يأكلني
يتسلل ما في الأحشاء
يشطرني في كل الأرجاء
أرقب أشلائي في صمت
فأري الأشلاء.. هي الأشلاء
من منكم يمنحني فتوي باسم الاسلام
أن آكل ابني
ابني قد مات
قتلوه أمامي
قد سقط صريعا بين مخالب جوع لا يرحم
وبعد دقائق سوف أموت
ودماء صغيري شلال
يتدفق فوق الطرقات
أعطوني الفرصة كي أنجو من شبح الموت
لا شيء أمامي آكله لا شيء سواه.
قصيدة "لا تنتظر أحداً"
لا تنتظر أحداً
فلن يأتي أحد
لم يبق شيء غير صوت الريح
والسيف الكسيح
ووجه حلم يرتعد
الفارس المخدوع ألقي تاجه
وسط الرياح وعاد يجري خائفاً
واليأس بالقلب الكسير قد أستبد
صور علي الجدران ترصدها العيون
وكلما اقتربت ...تطل وتبتعد
قد عاد يذكر وجهه
والعزم في عينيه
والأمجاد بين يديه
والتاريخ في صمتٍ سجد
الفارس المخدوع في ليل الشتاء
يدور مذعوراً يفتش عن سند
يسري الصقيع علي وجوه الناس
تنبت وحشة في القلب
يفزع كل شيء في الجسد
في ليلة شتوية الأشباح
عاد الفارس المخدوع منكسراً
يجر جواده
جثث الليالي حوله
غير الندامة ما حصد
قصيدة "الخيول لا تعرف النباح"
أتيتك نهرا حزين الضفاف
فلا ماء عندي ولا سنبلة
فلا تسألي الروض كيف انتهيت
ولا تسألي النهر من أهمله
أنا زهرة من ربيع قديم
أحب الجمال .. وكم ظلله
حقائق عمري بقايا سراب
وأطلال حلمي به مهملة
وجوه علي العين مرت سريعا
فمن خان قلبي .. ومن دلله
ولا تسألي الشعر من كان قبلي
ومن في رحاب الهوي رتله ؟
أنا عابد في رحاب الجمال
رأي في عيونك ما أذهله
لم يحصر جويدة نفسه في إطار الشعر فقط، فانطلق مناقشاً القضايا الثقافية والسياسية والفكرية المعاصرة،
ملتزماً بقضايا وطنه وأمته، فكانت ولازالت له العديد من المقالات القوية
والتي أثارت البعض وأغضبتهم أحياناً،
ولكنه ظل متشبثاً بقلمه جاعلاً منه لساناً يعبر من خلاله عن رأيه الخاص وأراء الشعوب العربية، وأصبحت
مقالاته المعنونة تحت أسم "هوامش حرة" بالأهرام ينتظرها الكثير من الأشخاص لما فيها من تعبير عنهم وعن
مشاكلهم، ولما تفتحه من مساحة حرة لطرح مختلف القضايا.
قدم الكاتب والأديب إبراهيم خليل إبراهيم كتاب بعنوان " الحب والوطن في حياة فاروق جويدة" والكتاب
عبارة عن دراسة أدبية حول أشعار فاروق جويدة التي قدمها في الحب والوطن ويضم الكتاب ثلاثة أقسام
القسم الأول مخصص للحب في شعر فاروق جويدة، أما القسم الثاني فالوطن في شعر جويده أما القسم الثالث
فيضم الصورة الشعرية وخصوصيتها في شعره.
وانت الحقيقة لو تعلمين .. رائعة فاروق جويدة
يقولون عني كثيرا كثيرا
وأنت الحقيقة لو يعلمون
لأنك عندي زمان قديم
أفراح عمر وذكرى جنون
وسافرت أبحث في كل وجه
فألقاك ضوءا بكل العيون
يهون مع البعد جرح الأماني
ولكن حبك لا.. لا يهون
أحبك بيتا تواريت فيه
وقد ضقت يوما بقهر السنين
تناثرت بعدك في كل بيت
خداع الأماني وزيف الحنين
كهوف من الزيف ضمت فؤادي
وآه من الزيف لو تعلمين
لماذا رجعت زمانا توارى
وخلف فينا الأسى والعذاب
بقاياي في كل بيت تنادي
قصاصات عمري على كل باب
فأصبحت أحمل قلبا عجوزا
قليل الأماني كثير العتاب
لماذا رجعت وقد صرت لحنا
يطوف على الأرض بين السحاب؟
لماذا رجعت وقد صرت ذكرى
ودنيا من النور تؤوي الحيارى
وأرضا تلاشى عليها المكان؟
لماذا رجعت وقد صرت لحنا
ونهرا من الطهر ينساب فينا
يطهر فينا خطايا الزمان؟
فهل تقبلين قيود الزمان؟
وهل تقبلين كهوف المكان؟
أحبك عمرا نقي الضمير
إذا ضلل الزيف وجه الحياة
أحبك فجرا عنيد الضياء
إذا ما تهاوت قلاع النجاة
ولو دمر الزيف عشق القلوب
لما عاش في القلب عشق سواه
دعيني مع الزيف وحدي وسيفي
وتبقين أنت المنار البعيد
وتبقين رغم زحام الهموم
طهارة أمسي وبيتي الوحيد
أعود إليك إذا ضاق صدري
وأسقاني الدهر ما لا أريد
أطوف بعمري على كل بيت
أبيع الليالي بسعر زهيد
لقد عشت أشدو الهوى للحيارى
و بين ضلوعي يئن الحنين
وقد استكين لقهر الحياة
ولكن حبك لا يستكين
* * *
يقولون عني كثيرا كثيرا
وأنت الحقيقة لو تعلمين
وعشقت غيري
وأتيتَ تسأل ياحبيبي عن هوايا
هل مايزال يعيش في قلبي ويسكن في الحنايا؟
هل ظل يكبر بين أعماقي ويسري..في دمايا؟
الحبُ ياعمري..تمزقه الخطايا
قد كنتَ يوماً حب عمري قبل ان تهوى..سوايا
أيامُك الخضراء ذاب ربيعُها
وتساقطت أزهاره في خاطري..
يامن غرسَت الحب بين جوانحي ..
وملكت قلبي واحتويت مشاعري
للملمت بالنسيان جرحي ..بعدما
ضيعت أيامي بحلم عابر..
لو كنت تسمع صوت حبك في دمي
قد كان مثل النبض في أعماقي
كم غارت الخفقاتُ من همساته..
كم عانقته مع المنى أشواقي
قلبي تعلم كيف يجفو ..من جفا
وسلكت درب البعد ..والنسيانِ
قد كان حبك في فؤادي روضة
ملأت حياتي بهجة ..وأغاني
وأتى الخريف فمات كل رحيقها
وغداالربيع..ممزقَ الأغصان
مازال في قلبي رحيقُ لقائنا
من ذاق طعمَ الحب..لا ينساه..
ماعاد يحملني حنيني للهوى
لكنني أحيا..على ذكراهُ
قلبي يعود إلي الطريق ولا يرى
في العمر شيئاً..غيرطيف صبانا
أيام كان الدربُ مثل قلوبنا..
نمضى عليه..فلا يملُ خطانا
بالرغم منا .. قد نضيع
( 1 )
قد قال لي يوماً أبي
إن جئت يا ولدي المدينة كالغريب
وغدوت تلعق من ثراها البؤس
في الليل الكئيب
قد تشتهي فيها الصديق أو الحبيب
إن صرت يا ولدي غريباً في الزحام
أو صارت الدنيا امتهاناً .. في امتهان
أو جئت تطلب عزة الإنسان في دنيا الهوان
إن ضاقت الدنيا عليك
فخذ همومك في يديك
واذهب إلى قبر الحسين
وهناك صلي ركعتين
(2)
كانت حياتي مثل كل العاشقين
والعمر أشواق يداعبها الحنين
كانت هموم أبي تذوب .. بركعتين
كل الذي يبغيه في الدنيا صلاة في الحسين
أو دعوة لله أن يرضى عليه
لكي يرى .. جد الحسين
قد كنت مثل أبي أصلي في المساء
وأظلُ أقرأ في كتاب الله ألتمس الرجاء
أو أقرأ الكتب القديمة
أشواق ليلى أو رياضَ .. أبي العلاء
(3)
وأتيتُ يوماً للمدينة كالغريب
ورنينُ صوت أبي يهز مسامعي
وسط الضباب وفي الزحامِ
يهزني في مضجعي
ومدينتي الحيرى ضبابٌ في ضباب
أحشاؤها حُبلى بطفلٍ
غير معروف الهوية
أحزانها كرمادِ أنثى
ربما كانت ضحية
أنفاسُها كالقيدِ يعصف بالسجين
طرقاتُها .. سوداء كالليل الحزين
أشجارها صفراء والدم في شوارعها .. يسيل
كم من دماء الناس
ينـزف دون جرح .. أو طبيب
لا شيء فيك مدينتي غير الزحام
أحياؤنا .. سكنوا المقابر
قبلَ أن يأتي الرحيل
هربوا إلى الموتى أرادوا الصمت .. في دنيا الكلام
ما أثقل الدنيا ...
وكل الناس تحيا .. بالكلام
(4)
وهناك في درب المدينةِ ضاع مني .. كل شيء
أضواؤها .. الصفراء كالشبح .. المخيف
جثث من الأحياء نامت فوق أشلاء .. الرصيف
ماتوا يريدون الرغيف
شيخٌ ( عجوز ) يختفي خلف الضباب
ويدغدغ المسكينُ شيئاً .. من كلام
قد كان لي مجدٌ وأيامٌ .. عظام
قد كان لي عقل يفجر
في صخور الأرض أنهار الضياء
لم يبق في الدنيا حياء
قد قلتُ ما عندي فقالوا أنني
المجنونُ .. بين العقلاء
قالوا بأني قد عصيتُ الأنبياء
(5)
دربُ المدينة صارخُ الألوانِ
فهنا يمين .. أو يسارٌ قاني
والكل يجلس فوق جسمِ جريمةٍ
هي نزعة الأخلاقِ .. في الإنسانِ
أبتاه .. أيامي هنا تمضي
مع الحزن العميق
وأعيشُ وحدي ..
قد فقدتُ القلبَ والنبضَ .. الرقيق
دربُ المدينة يا أبي دربٌ عتيق
تتربع الأحزانُ في أرجائه
ويموت فيه الحب .. والأمل الغريق
(6)
ماذا ستفعل يا أبي
إن جئتَ يوماً دربنا
أترى ستحيا مثلنا ؟؟
ستموت يا أبتاه حزناً .. بيننا
وستسمع الأصواتَ تصرخُ .. يا أبي : يا ليتنا ..يا ليتنا .. يا ليتنا
وغدوتُ بين الدربِ ألتمسُ الهروب
أين المفر؟
والعمرُ يسرع للغروب
(7)
أبتاهُ .. لا تحزن
فقد مضت السنين
ولم أصلِّ .. في الحسين
لو كنتَ يا أبتاهُ مثلي
لعرفتَ كيف يضيع منا كلُ شيء
بالرغم منا .. قد نضيع
بالرغم منا .. قد نضيع
من يمنح الغرباءَ دفئاً في الصقيع؟
من يجعل الغصنَ العقيمَ
يجيء يوماً .. بالربيع ؟
من ينقذ الإنسان من هذا .. القطيع ؟
(8)
أبتاهُ
بالأمس عدتُ إلى الحسين
صليتُ فيه الركعتين
بقيت همومي مثلما كانت
صارت همومي في المدينةِ
لا تذوب بركعتين
تحت أقدام الزمان ...!
واستراحَ الشـوقُ منـي ..
وانزوى قلبي وحيداً ..
خلف جدرانِ التمنـي
واستكانَ الحـب في الأعماقِ
نبضاً .. غابَ عنّـي
آه يا دنـياي ..
عشتُ في سجني سنيناً
أكرهُ السجانَ عمري
أكره القيدَ الذي
يقصيك .. عني
جئتُ بعدك كي أغنّـي
تاه منّـي اللحنُ
وارتَجَفَ المغنّـي
خانني .. الوتـر الحزين
لم يعُد يسمعُ منّـي
هل ترى أبكيك حباً
أم تُرى أبكيك عمراً
أم ترى أبكي .. لأني
صرتُ بعدك .. لا أغنـي
آه يا لحناً قضيتُ العمـرَ
أجمعُ فيه نفسي !!
رغم كل الحـزنِ
عشتُ أراهُ أحلامي
ويأسي ..
ثم ضاع اللحـنُ منّـي
واستكـانْ
واستـراح الشوقُ
واختنقَ الحنـــانْ
حبنا قد ماتَ طفلاً
في رفاتِ الطفلِ
تصرخُ مهجتانْ
في ضريحِ الحبّ
تبكي شمعتانْ
هكذا نمضي .. حيارى
تحت أقدام الزمـانْ
كيف نغرقُ في زمانٍ
كل شيءٍ فيهِ
ينضحُ بالهـوانْ
بائع الأحلام ....!
تسألوني الحلم أفلس بائع الأحلام
ماذا أبيع لكم !
وصوتي ضاع وأختنق الكلام
ما زلت أصرخ في الشوارع
أوهم الأموات أني لم أمت كالناس ..
لم أصبح وراء الصمت شيئاً من حطام
مازلت كالمجنون
أحمل بعض أحلامي وأمضي في الزحام
لا تسألوني الحُلم
أفلس بائع الأحلام ..
فالأرض خاوية ..
وكل حدائق الأحلام يأكلها البَوَار
ماذا أبيع لكم .. ؟
وكل سنابل الأحلام في عيني دمار
ماذا أبيع لكم ؟
وأيامي انتظار ........ في انتظار
................
اليوم الأول بعد رحيل الشمس
مازال حبك أمنيات حائرات في دمي
أشتاق كالأطفال ألهو ثم أشعر بالدوار
وأظل أحلم بالذي قد كان يوماً
أحمل الذكرى على صدري
شعاعاً
كلما أختنق النهار
والدار يخنقها السكون
فئران حارتنا تعرب في البيوت
وسنابل الأحلام في يأس تموت
ونظرت للمرآة في صمت حزين
العمر يرسم في تراب الوجه أحزان السنين
أصبحت بعد كالعجوز
يردد الكلمات
يمضغها وينساها ويأكلها
ويدرك أن شيئاً لا يقال
ما عدت أعبأ بالكلام
فالناس تعرف ما يقال
كل اللذي عندي
كلام لا يقال !!!
الحرف يقتلني ...!
أنا شاعر ..
مازلت أرسم من نزيف الجُرح
أغنية جديدة ..
ما زلت أبني في سجون القهر
أزماناً سعيدة
مازلت أكتبُ
رغم أن الحرف يقتلني
ويلقيني أمام الناس
أنغاماً شريدة ..
أو كلما لاحت أمام العين
أمنية عنيده ..
ينساب سهم طائش في الليل ..
يُسقِطُها .... شهيدة ...
يتبع
[/cell][/table1]





LinkBack URL
About LinkBacks


رد مع اقتباس








مواقع النشر (المفضلة)