سفراء حماس في رام الله






سفراء حماس في رام الله
التاريخ : 29/8/2008 الوقت : 08:50
اسم الكاتب : د. فايز أبو شمالة
بقلم: د. فايز أبو شمالة
لم يكن الكلام المسئول الذي نسب إلى الأخ إبراهيم أبو النجا، القيادي البارز في حركة فتح، بفضح الأسماء التي تقف وراء قطع رواتب الموظفين، ورفضه التلاعب بأرزاق الناس، ومصيرهم، ومطالبته بتوقف نظرية العقاب الجماعي، لم يكن التصريح الجريء الوحيد في الساحة الفلسطينية، وإلا، فإن العالم الخارجي كان سيصدر حكمه على المجتمع الفلسطيني بالعقم، ولم يكن تأكيد السيد أبو النجا بضرورة اعتماد مبدأ الحوار لإنهاء حالة الانقسام بين الفلسطينيين الذين تجمعهم قواسم وتطلعات، وأهداف، ومصير مشترك، وبالتالي لا يمكن لأي فلسطيني مهما كان موقعة أن يلغي طرفاً فلسطينياً آخر يعمل على الساحة، لم يكن هذا التصريح منعزلاً عن مجمل حالة الحراك التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، وإنما جاء التصريح ليمثل مزاجاً عاماً يحاكي وجدان الشعب الفلسطيني، وجميع التنظيمات، بما فيها تنظيم فتح، ويمثل رأس حربة لكل الشرفاء الذين رفضوا هذا الأسلوب المقيت من التعامل مع رواتب الموظفين، والتعامل مع حالة الانقسام المقيت، ولكن ما يميز هذا التصريح أنه صريح، وواضح، ويشير بأصبع الاتهام إلى أسماء بعينها باتت معروفة لكل الناس، وفي الوقت نفسه يبرئ ساحة تنظيم فتح المقاومة والتضحية، فتح الشهداء والأسرى، وفتح العطاء والأمل، وفتح الوفاء والجرحى، يبرئ تنظيم فتح من شبهة قطع الأرزاق التي لا يمارسها عاقل، ويبرئها من شبهات أخرى مارسها مارقون على القضية الفلسطينية، وعلقوا سوءتهم على تنظيم فتح الرائد للمقاومة باعتراف الجميع.
لقد تعالت في الآونة الأخيرة أصوات العقل والمنطق في الساحة الفلسطينية، ويكاد لا يمر يوم واحد دون أن تقرأ مقالاً، أو تحليلاً سياسياً، أو رأياً من مسئول من كافة الانتماءات، وكلها تؤكد على وحشية تواصل الانقسام، وخطورة استمراره على القضية والشعب، أصوات تنطق بالمصداقية، وأقلام كتاب، ومفكرين تتحرق على الحالة الفلسطينية، وتمثل النبع الدافق بالحرص، والعارف بمكمن الخطر، والذي ضاق ذرعاً بهذه الحالة المزرية.
لقد تزامنت تصريحات السيد أبو النجا مع بيان لحركة فتح نشرته شبكة فلسطين اليوم، يدعو الرئيس عباس بإصدار أوامره المباشرة بوقف كافة الإضرابات فوراً، وعدم زج القطاع التعليمي والصحي في المناكفات السياسية، وتحريم هذا الأمر، ومعاقبة المخالفين، لأنها لا تخدم أهداف ومصالح حركة 'فتح' وخاصة في ظل الحصار المفروض على قطاع غزة، واعتبرت أن تنفيذ الإضراب من شأنه أن يزيد من معاناة الشعب الفلسطيني ومن التفرقة.
لقد أكد لي قيادي بارز في فتح صحة هذا البيان، وأن الأخوة في غزة تحدثوا مباشرة مع الرئيس أبو مازن الذي نفي أن تكون له أي علاقة بالإضرابات، وأنه مع توجههم.
هذا هو صوت فتح الحقيقي، صوت المعاناة والمسئولية الوطنية، صوت القوة، والجرأة، وحكمة الدراية بالواقع أكثر من غمغمة البيانات النارية لأولئك المنتفعين من الانقسام، لقد أثبتت غزة أنها لم تخلُ من عقلاء يعيشون واقعها، ويدركون أهمية تجاوز الحالة الراهنة، ويمثلون همها، وينطقون باسمها على خير ما يرام.
هؤلاء المسئولون في تنظيم فتح أمثال اللجنة الحركية العليا، والمحافظين، وأعضاء المجلس الثوري، وأمناء سر الأقاليم لتنظيم فتح، وأمناء الفصائل، وأعضاء المجلس الوطني، هم سفراء حماس في رام الله، وللعالم الخارجي، وهم من يجب أن تتمسك حماس بالحوار معهم أولاً، والحرص عليهم، والتواصل بهم، والتوصل معهم إلى قاسم مشترك يكون اللبنة الأولى لحوار وطني شامل، وبالتالي فإن استمرار اعتقال مثل هؤلاء هو اعتقال للحوار والتفاهم، وأي إهمال لهم هو تجاهل لدعوات رأب الصدع، وإصرار على تمزيق الوطن.
إن كل هؤلاء أصحاب قرار، وأهل رأي، وجلهم غير مقتنع بتواصل الانقسام، وهم حريصون على وحدة الصف الفلسطيني، وعلى رأب الصدع، ولهم تأثيرهم على رام الله، ولهم صوتهم الاعتراضي الرافض لكثير من ممارسات قطّاع الرواتب، دعاة التقسيم، هؤلاء هم رصيد حماس الاستراتيجي للمصالحة، وهم سفراؤها هنالك، وكان يجب أن يبدأ الحوار من خلالهم، لا أن يبدأ الهجوم على بعضهم، واعتقالهم، وشراء عدائهم لحماس بلا مقابل.
منذ الأيام الأولى للانقسام اتصل علي بعض قيادي حماس، وطلب مني أرقام هواتف بعض قيادات ,وشخصيات فتح، بهدف ترتيب حوار معهم للخروج عن مجرى الدم، وتجاوز الحالة التي وصل إليها الوطن، ولكن قيادة فتح في قطاع غزة لم تحبذ في حينه الحوار، ولأسباب كما ذكرها لي قيادي بارز في فتح، وأهمها: أن المزاج العام لفتح لا يسمح في تلك المرحلة بأي لقاء، ولأن الدم قد جرى بين التنظيمين، ولا يصح أي حديث، أو لقاء قبل تهدئة الخواطر، وانطفاء حريق الدم، ولو على الطريقة العشائرية، لابد من حقن الدم أولاً، ومعالجة آثاره، وحركة فتح مقتنعة بالحوار، وضرورة الوصول إلى شراكة قرار.
أكثر من عام مضى بمناكفاته، لا حماس استطاعت تصفية فتح في قطاع غزة، ولا فتح بقادرة على إلغاء حماس، فلسطين بحاجة لكلا التنظيمين، وهما كالزوج والزوجة، طلاقهما يعني دمار البيت، وضياع الشعب كما شبه لي الحالة السيد 'جون جنج' مدير عمليات الأونروا في قطاع غزة.
اليوم تغير الحال، وهناك مؤشرات ميدانية إيجابية، وكخطوة أولى هامة للمصالحة، ننتظر من حماس في هذه المرحلة؛ وهي التي تمسك بكل صغيرة وكبيرة في قطاع غزة، ننتظر أن تبادر إلى إطلاق سراح المعتقلين لديها من تنظيم فتح، وأن تعزز من حصة دعاة المصالحة، لا أن تعزز من حصة أعداء المصالحة، ومن غير المقبول على كل ذي عقل ما يبرره قادة حماس؛ بأن اعتقال المحافظين، وأمناء سر الأقاليم، وبعض القيادات، هو اعتقال سياسي جاء رداً على اعتقال أعضاء من حماس في الضفة الغربية.
من الحكمة يا حماس، المبادرة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين في غزة دون اشتراط ذلك بإطلاق المعتقلين السياسيين في رام الله، لأن الخطأ لا يعالج بخطأ، ولتجدن الذي اكتوى بنار السجن ظلماً أحرص الناس على العدل, وحرية السجناء.
وكي لا تظلمون أنفسكم يا حماس، كيف تصفون رام الله بكل فاحشة لممارستهم الاعتقال السياسي، ومن ثم تمارسونه بنفس الأسلوب الذي تمقتونه، وتعترضون عليه؟.
وكيف يهنأ الشعب الفلسطيني وهو يستقبل شهر السماحة والخير، شهر رمضان المبارك، وفي السجون الفلسطينية أخوة لهم، وأبناء، وآباء من فتح ومن حماس بتهمة الاعتقال السياسي، واختلاف الرأي؟.