كتب وصية"وحمل معه مصحفًا"وزجاجة ماء"وعدة سكاكين"وعبأ حقيبة بالحجارة"وقبل طلوع الفجر يمّم وجهه صوب فلسطين"لم يحتمل البراء محمود حمدان – 12 عامًا – رؤية الشعب الفلسطيني وهو يذبح"والصهاينة يلوثون المقدسات؛ فصمم على الجهاد"وقطع عشرات الكيلومترات باتجاه القدس"ولكن

سقوطه من مرتفع وإصابته بغيبوبة حال دون ذلك؛ حيث وجده أحد الرعاة فسقاه لبنًا"وساعده على الوصول إلى إحدى الخيام"حيث أصر البدو والساكنون في منطقة الحامدية على إعادته. ومنذ عودته"وهو يحكي قصته لأطفال مدرسته الذين قاموا بإحراق الأعلام الإسرائيلية تعبيرًا عن غضبهم"يقول البراء: إن ضميري لم يسمح لي بأن أرى اليهود وهم يصطادون المسلمين مثل الحمام"وشعرت بالحزن الشديد وأنا أرى الطفل محمد الدرة وقد قتل بدم بارد"فكتبت لأهلي: "يا بابا أنا ذهبت إلى فلسطين؛ للجهاد في سبيل الله"والرجاء أن تسامحني؛ لأنني قد أخذت بعض الأغراض والدنانير العشرة"ويا ماما أحبك"وأرجو أن تكوني مثل الخنساء إذا مت"واستشهدت في سبيل الله"قال الله تعالى: "وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون""نفسي فداء للقدس أولى القبلتين"والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته"البراء محمود. كان البراء بتلقائية تتناسب مع اسمه وسنه"يعبر عن مكون أساسي في الثقافة الإسلامية العربية "فيه يقين وإيمان بالغيب والقدر والجهاد والشهادة والجنة"كان الفعل هو الدرس"والشهادة هي العبرة. ثقافة المادة هذا الاختلاف الثقافي بين طفل تربى على اليقين بالله "وآخر تربى على أن يكون مجرد مشروع مالي ناجح"هو ما جعل اليهود لا يستطيعون تفسير النموذج الانتفاضي الاستشهادي"ولما حاول بعضهم التفسير انطلق من ثقافته الخاصة التي ترى كل شيء مادة ومشروع"فصحيفة "جيروزالم بوست" الإسرائيلية تقول: إن السلطة الفلسطينية تشجع الأطفال على المشاركة في المصادمات التي تقع الآن بين الشعب الفلسطيني والقوات الإسرائيلية في كافة مناطق الأراضي المحتلة"وذلك بتقديم 300 دولار لكل أسرة جريح و2000 دولار لأسر القتلى (الشهداء)!! وهي نفس التفسيرات الساذجة التي يرددها الكولونيل ناعوم تينون قائد قوات الدفاع الإسرائيلية في منطقة الخليل"والذي أكد أن الهدف الأساسي لميليشيات فتح هو استثمار الأطفال لقتل الجنود الإسرائيليين"وألمح لما وصفه بالاستخدام المعيب من الفلسطينيين لأطفالهم"الذين يدفعون بهم كجبهة أمامية في المصادمات. ثقافة أهل الله ! ولنترك للمشاهد الحية في الشوارع الفلسطينية حق الرد على هذيان القادة الإسرائيليين الذين يستخدمون الذخيرة الحية والأسلحة المحرمة في الميدان الحربي ضد أطفال ومدنيين عزل إلا من الحجارة والإيمان المطلق"فالطفل محمد جودة – 9 سنوات – لم يهدأ له بال منذ علمه بزيارة شارون للأقصى"وأصر على الذهاب لحماية الساحة المباركة"ولم يضعف أمام رجاء أمه"وهي تقنعه بأنه ما زال صغيرًا وجاراتها اللاتي حاولن إقناعه بالعدول عن قراره مقابل أن يعطوه مصاري (مصروف يومي)"ورد عليهن جميعًا بالذهاب إلى ساحة الأقصى التي ظل مرابطًا بها طوال تسعة أيام"ولم يتركها إلا شهيداً محمولاً على أعناق الرجال بعد إصابته برصاصه في رأسه. صور أخرى رأينا فيها الكثير من الإصرار من جانب الأطفال"فأحمد الحمامي 14 سنة من حي الصبرة بغزة يدرس في الصف الثالث الإعدادي"ذهب إلى مفترق نحساريهم على دراجته من الثامنة صباحًا"وأمطر الجنود بحجارته من فوق المصنع المجاور للموقع حتى أصيب بالرصاص في يده اليسرى. والطفل وليد محمود بهلول – 9 سنوات – مصاب بتمزق في أمعائه وقطع في شريان الفخذ الرئيس"وقد أصيب برصاصة مكتومة الصوت محرمة دوليًّا بينما كان يجلس فوق كتلة أسمنتية يتابع بشغف الشبان الفلسطينيين وهم يزيلون العلم الإسرائيلي عن الأسلاك الشائكة على ضفتي الشريط الحدودي الفاصل بين فلسطين ومصر في مدينة رفح قبالة المخيم الذي يسكنه. أما محمد بكر – 18 سنة – من التفاح بغزة فقد ترك عمله في مصنع الخياطة وانضم إلى عمال آخرين من المصنع"وذهبوا إلى موقع الشهداء"يقول محمد: إن رؤيته لسيارات الإسعاف التي تنقل المصابين باستمرار هو الذي جعله يصعد إلى منطقة قام بإلقاء الحجارة منها؛ حتى أصيب بالرصاص الحي في قدمه اليمنى"كما أصيب بالمطاط في رأسه"ورغم ذلك لم تقلل من عزيمته وإصراره في المرات القادمة"مؤكدًا أن ما يقوم به الجنود الإسرائيليون من إطلاق النار بوحشية وباستخدام العيارات المحرمة دوليًّا ومن استخدام القذائف الصاروخية ـ لن يؤثر على روح المقاومة. وسامر الدمغة – 19 عامًا – الذي لم يتوقف عن إلقاء الحجارة على جنود الاحتلال حتى أصيب بإصابات في بطنه لم يمنعه ذلك من الاستمرار في مواجهة الاحتلال"وقال الدمغة: "والله لو قطعوا رجلي الاثنتين واستطعت بعد فقدهما مقاومتهم؛ فلن أتوانى لحظة عن ذلك" أما الشهيد عمر سلمان عابد – 20 عامًا – فيقف قرب مستوطنة نتساريم يرشق الحجارة باتجاه جنود الاحتلال؛ فقامت طائرة هليكوبتر حربية إسرائيلية تحلق فوق رأسه بضربه؛ فأصابته بطلقة نارية قاتلة أطلقها جنود الطائرة"وأكد أصدقاء الشهيد أن "عابد" استقل سيارة خاصة للذهاب إلى حيث المواجهات بالقرب من نتساريم وطلب منه السائق شيكلا نظير توصيله إلا أن والدة السائق التي كانت جالسة بجوار ابنها عرضت على ابنها 20 شيكلاً مقابل عدم توصيل الشهيد؛ فقام السائق بإنزاله من السيارة خوفًا عليه"إلا أنه أصر على الذهاب؛ فاستقل سيارة أخرى"وذهب إلى موقع المواجهة. أما والدة الشهيد "عمر سلمان" فقد أكدت عزمها على المُضِيّ قُدُمًا وبذل المزيد من التضحية من أجل تحرير القدس"ووسط دموعها الغزيرة قالت: لقد زغردت مرتين: الأولى عند زفافه إلى عروسه قبل 60 يومًا فقط"والأخرى أمس تكريمًا للشهادة التي نالها من ربه"والتي سيدخل بها الجنة إن شاء الله. هذا ما قالته أم الشهيد "عمر سلمان" والذي لم يختلف عما قالته أم الشهيد "عرفات الأطرش" في الخليل حيث قالت: ابني مهم بالنسبة لي"ولكن الأهم أن تحافظوا على القدس والأقصى وحائط البراق - وما قاله والد الشهيد "إسماعيل شمالخ"؛ إذ أكد عقب تشييع جسمان ولده الشهيد أنه مستعد للتضحية بنفسه وأبنائه الأحد عشر من أجل فلسطين والمقدسات الإسلامية. هؤلاء هم الأطفال والشباب الذين يشكلون النسبة الكبرى من الشهداء والجرحى في انتفاضة الأقصى كما يقول مدير الطوارئ والإسعاف في وزارة الصحة د/ محمد سلامة: إن 77% من الإصابات التي وصلت هم دون سن الثامنة عشرة"وكما يشير تقرير من الجمعية الفلسطينية لحماية حقوق الإنسان في تقرير لها أن 60% من الضحايا والجرحى تحت سن 18 عامًا. وأشار التقرير نفسه إلى أن مقتل الطفل محمد الدرة (12 عامًا) من غزة كان بمثابة "جريمة حرب" وفق القانون الدولي؛ حيث لم يشكل هو أو والده – الذي حاول حمايته (لم يحاول دفعه ! ولم ينجح – أي خطر على الجنود الإسرائيليين"وإذا كانت تلك المشاهد – التي لا تعبر إلا عن غيض من فيض عن حقيقة ما يجري الآن في الحياة اليومية لأبطال الانتفاضة وشهدائها – لا تبرز ما يستشعره الطفل الفلسطيني الذي يخرج للمقاومة والمواجهات غير عابئ برجاء الأم والجيران"فقد يبرزه ما قام به الطفل الأردني البراء الذي نشرت قصته صحيفة العرب اليوم الأردنية. كتبها : داليا يوسف صحيفة العرب اليوم الأردنية