سلام مختلف.. سلام مستحيل

لقد اسقطت حجارة الاطفال الفلسطينيين القناع عن الوجه الحقيقي للعنصرية المتأصلة في التعامل "الاسرائيلي" مع "الجيران" الفلسطينيين والعرب، وبات واضحا واكيدا، مع تواصل انتفاضة الاقصى وتحديها للاستعمار "الاسرائيلي" بكل آلته العسكرية القمعية، ان "اسرائيل" تتحدث طوال حلقات تفاوضها مع العرب منذ "مؤتمر مدريد" عن سلام مختلف عن السلام الذي يتحدث عنه العرب ـ مع كل تواضعه ـ وانها تبحث على مستوى "الكلام" عن تسوية "عبر مسارات التفاوض" مع العرب بينما تسعى على مستوى "الفعل" الى فرض واقع نابع من ثقافة الهيمنة والاستعلاء اليهودي على "الجيران" او الى املاء "سلام" التفوق الصهيوني والضعف العربي.

ويمكننا ان نعيد قراءة مشروع "الشرق اوسطية" الذي بشر به شيمون بيريز رئيس وزراء "اسرائيل" الاسبق ضمن هذا الفكر اليهودي التوراتي.

ان واقع التركيبة الحالية لمنظمة الحكم في "اسرائيل"، وكما اشرنا في مقالنا سالف الذكر، يتسم "بالتفوق الواضح للجناح اليميني التوراتي المتطرف، وهو الجناح الذي يعتمد في فكره وايمانه على ان الوجود الصهيوني قائم على الغاء الطرف الاخر، وهو هنا الفلسطيني العربي المسلم، وهؤلاء المتدينون المتخلفون والمتعصبون هم الذين يرجحون الان ـ ولفترة طويلة قادمة ـ ميزان قوى الرأي في السلطة "الاسرائيلية"".



وقد تجسد اخفاق هذا الفكر في قبول التعايش مع الاخر" الفلسطيني" والمشاركة المتكافئة في بناء المستقبل، حتى ذلك الجزء من الشعب الفلسطيني الذي رضي منذ اكثر من خمسين عاما ان يصبح جزاء من دولتهم، رفضوه بسرعة فائقة واضافوه ـ رغم انه يحمل الهوية "الاسرائيلية" ـ الى قائمة العدو الفلسطيني الذي يجب ان يفنى!

هذه الثقافة اليهودية المتسلطة والمدعمة بقوة التطور التكنولوجي والعسكري الغربي تنظر للسلام في المنطقة ومستقبل وجوده من زاوية مناقضة تماما للنظرة العربية للسلام والتصالح. فأي دولة ديمقراطية علمانية هذه التي تؤمن وتعمل على الغاء اكبر اثر ديني في التاريخ لشعوب المنطقة باسرها وللشعوب الاسلامية كلها، واقصد به المسجد الاقصى، ولا تضع اعتبارا لاي من القيم الثقافية والتراث الديني لتلك الشعوب من اجل هم السعي لاثبات ان تحت هذا الاثر موقعا او دليلا على وجود معبد يهودي (الهيكل) تهدم منذ آلاف من السنين؟ فكيف لنا ان نعتمد ونمضي على طريق الثقة والتصديق مع فكر وثقافة تلك هي منطلقاتها في القرن الواحد والعشرين.

ان تصادم الثقافات بين العرب والاسرائيليين يضع صيغة "السلام المدريدي" في قائمة الوفيات، ويؤكد الحاجة الملحة الى طرح صيغة بديلة فاعلة يقودها الفلسطينيون ويدعمهم العرب والقوى العالمية ذات المصلحة الحقيقية في اقامة سلام واستقرار في منطقتنا العربية.

هذه الصيغة لا بد ان تنطلق من يقين كامل بان الصراع لن ينتهي بسهولة ويسر، او بقوة سحرية، ولا بد من خلق اشكال جديدة لالية هذا الصراع تنطلق من مبدأ ان السلام يقوم ويسود في حالة واحدة هي خلق "توازن قوى" بين الطرفين المتصارعين يتقوى فيه الطرف الاضعف تدريجيا على حساب تراجع قوة الطرف الاقوى تدريجيا ايضا.



طريق للخلاص